جواز انفكاك الحجّة عنهما كما في الظنّ الانسدادي على الحكومة ولكن لا يكاد يجوز تحقّقهما في غير الحجّة ، فليس كلّ حجّة ممّا صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه وصحّ نسبته إليه تعالى ، ولكن كلّما صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه وصحّ نسبته إليه تعالى كان حجّة قطعاً .
أضف إلى ذلك أنّه لا حاجة بناءً على مبنى المحقّق الخراساني رحمه الله في تفسير الحجّية إلى التمثيل بالظنّ الانسدادي على الحكومة ، لأنّه بناءً على ذلك المبنى في تمام الحجج الشرعيّة لا يجوز الإسناد والالتزام لأنّ الحجّية عنده بمعنى المنجّزيّة والمعذّريّة ، وهما في الواقع قضيتان شرطيتان ، أي لو وافق مؤدّى الأمارة الواقع كان منجزاً ولو خالفه كان عذراً ، وليستا حاكيتين عن حكم واقعي أو ظاهري حتّى يصحّ الإسناد ، فظهر أنّ مآل الطريقين إلى أمر واحد .
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله استدلّ للمسألة بالضرورة فقال : « ضرورة أنّه بدونه لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته ولا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها ولا يكون مخالفته تجرّياً ولا يكون مخالفته بما هي موافقة انقياداً » .
ومقصوده من الضرورة هنا هو الضرورة العقليّة والبداهة الوجدانيّة ، وهو كذلك ، لأنّ الوجدان حاكم على عدم ترتّب آثار الحجّية على أمارة ما لم تتّصف بالحجية الفعليّة في مقام الإثبات .
وأمّا شيخنا الأنصاري رحمه الله فاستدلّ لحرمة الإسناد والإلزام التي يستفاد منها عدم الحجّية بالدلالة الالتزاميّة كما مرّ بالأدلّة الأربعة وقال : « التعبّد بالظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد به دليل ، محرّم بالأدلّة الأربعة ويكفي من الكتاب قوله تعالى : « قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللَّه من إسناد الحكم إلى الشارع فهو افتراء ، ومن السنّة قوله صلى الله عليه وآله في عداد القضاة من أهل النار « رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم » « 1 » ، ومن الإجماع ما ادّعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيّاً عند العوام فضلًا عن العلماء ، ومن العقل تقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده من المولى ولو كان جاهلًا مع التقصير » .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 4 ، من أبواب صفات القاضي ، ح 6 .