كما في الآية الشريفة ، وأمّا إذا كانا في كلام واحد وكانا محكومين بحكم واحد كما لو قيل :
« والمطلّقات أزواجهنّ أحقّ بردهنّ » فلا ينبغي الريب في تخصيص العام به .
أقول : الظاهر أنّ هذا من قبيل توضيح الواضح وإخراج ما لا يتصوّر النزاع فيه عن محلّ النزاع ، لأنّ محلّ الخلاف ما إذا كان في البين حكمان : أحدهما عام والآخر خاصّ ، وأمّا إذا كان الحكم واحداً كما في المثال الذي ذكره ( والمطلّقات أزواجهنّ أحقّ بردهنّ ) فلا يعقل النزاع حينئذٍ كما لا يخفى ، هذا أوّلًا .
وثانياً : لا يتصوّر النزاع أيضاً فيما إذا وقع العام والضمير في كلامين بل لا بدّ من كونهما في كلام واحد ، لأنّه إذا جيء بالعام في كلام وأريد أن يؤتى بالخاص بعد ساعة مثلًا في كلام مستقلّ فلا وجه بل لا معنى لإتيانه بالضمير ، بل يؤتى على القاعدة بالاسم الظاهر كما لا يخفى ، ولو استعمل الضمير حينئذٍ كان المرجع فيه ما ثبت في الذهن لا الكلام المنفصل عنه .
ثمّ إنّ مختار المحقّق الخراساني رحمه الله تقديم أصالة العموم على أصالة عدم الاستخدام ، وبعبارة أخرى : ترجيح أصالة الظهور في طرف العام على أصالة الظهور في طرف الضمير ، والسرّ فيه ما أشير إليه من أنّ المتيقّن من بناء العقلاء الذي هو مدرك أصالة الظهور هو اتّباعها في تعيين المراد لا في تعيين كيفية الإرادة والاستعمال بعد ظهور المراد ، والمراد في طرف العام غير معلوم ، إذ لم يعلم أنّه أريد منه العموم أو أريد منه الخصوص فتكون أصالة الظهور حجّة فيه ، بخلاف المراد في جانب الضمير فإنّه معلوم على كلّ حال ، لأنّ أحقّية الزوج بردهنّ هي للرجعيّات لا محالة ، ولكن كيفية الاستعمال مشكوكة ، إذ لم يعلم أنّ العام قد أريد منه الخصوص ليكون استعمال الضمير على نحو الحقيقة أو أريد منه العموم وأنّ الضمير قد رجع إلى بعض ما أريد من المرجع بنحو الاستخدام ؟ مختار للمحقّق الخراساني رحمه الله في المقام هو تقديم أصالة العموم ، وقد فصّل بين ما إذا عقد للكلام ظهور في العموم كما إذا كان العام والضمير في كلامين مستقلّين ، وبين ما إذا كان الكلام محفوفاً بما يصلح للقرينيّة فلا ينعقد للعام ظهور في العموم أصلًا كما إذا كان العام والضمير في كلام واحد ، فإنّ أصالة العموم تجري في القسم الأوّل ولا تجري في القسم الثاني بل يصير الكلام فيه مجملًا يرجع في مورد الشكّ إلى الأصول العمليّة ، فظهر أنّ المحقّق الخراساني رحمه الله يفصّل بين ما إذا كان العام والضمير في كلامين وما إذا كانا في كلام واحد .
أقول : بناءً على ما مرّ من أنّ محلّ النزاع هو ما إذا كان العام والضمير في كلام واحد يرجع
انوار الأصول — صفحة 132
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣٢