تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
وقد يقال : إنّ قضيّة جملة من الآيات قدم المعاني الشرعيّة « 1 » ومعرفة أهل اللغة لها . فدعوى كون الألفاظ حقائق لغويّة فيها تكون قريبة جدّا . فمن الآيات قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
« 2 » ومنها قوله تعالى :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
« 3 » ومنها قوله تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
« 4 » . ويردّه أوّلا : أنّ ذلك مبنيّ على كون الألفاظ في هذه الآيات مستعملة في المعاني الشرعيّة ، وهو غير ثابت ، وظهور الآية الأولى في اتّحاد المكتوب في حقّ الأمّتين لا يجدي ؛ إذ لعلّ اتحاد المكتوبين يكون اتّحادا جنسيّا وفي مجرّد الإمساك - وإن كان هذا عن الأكل وذاك عن الكلام - كما يقال : « في الحمّام اليوم إنسان ، كما كان في الأمس إنسان » . وثانيا : أنّ غاية ما تقتضيه الآيات ثبوت المعاني في بعض الشرائع السابقة ، فلعلّ الشريعة التي كانت فيها هذه المعاني كانت متأخّرة عن عصر واضع اللغة ، فلم يكن واضع اللغة يعرف هذه المعاني ليضع لها لفظا . وثالثا : سلّمنا قدم المعاني ، لكن ذلك لا يلازم معرفة واضع لغة العرب لها . ورابعا : سلّمنا معرفته لها ، لكن ذلك لا يستلزم وضع هذه الألفاظ لها . نعم ، لا يبقى الوثوق حينئذ بثبوت الحقيقة الشرعيّة ، لكن يمكن تحرير هذا البحث حينئذ بنحو آخر ؛ فيقال : هل هذه الألفاظ المبحوث عنها انحصرت في شريعتنا في هذه المعاني وهجرت معانيها اللغويّة ، أم لا ؟ وأثر الانحصار حينئذ أثر ثبوت الحقيقة الشرعيّة على التقدير الأوّل . نعم ، أثر عدم الانحصار يكون هو الإجمال ، دون الحمل على المعاني اللغويّة الأوّليّة .
هامش
( 1 ) . كالصلاة والصوم والزكاة من المعاني الشرعيّة . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 183 . ( 3 ) . مريم ( 19 ) : 31 . ( 4 ) . الحجّ ( 22 ) : 27 .