تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
هي ذلك الواحد ،
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
« 1 » و
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
« 2 » فالأوامر بشتاتها تفصيل أمر واحد وكثرات طلب فارد ، وكذا النواهي . والتكثّر جاء من نسبة الطلب إلى أنواع المتعلّقات وإلّا فالطلب واحد لجامع ذي المصلحة وذي المفسدة ، وحينئذ فإذا تزاحم واجبان ، كان معنى ذلك أنّ تحصيل مناطيهما غير مقدور ، ومقتضاه أن يسقط غير المقدور عن حيّز الطلب ويبقى المقدور . والمقدار المقدور مع تساوي المناطين هو أحد المناطين لا على سبيل التعيين فيتخيّر بينهما عقلا . ومع الاختلاف ، المقدور هو المقدار المشترك من المناطين مع فضل ذي الفضل لا خصوص ذي المناط الفاضل . وإنّما يتعيّن ذو المناط الفاضل عقلا تحصيلا للفضل لا لأجل خصوصيّة فيه بالنسبة إلى المقدار المشترك . فعلى ذلك لو أتى المكلّف بغير ذي الفضل فهو بالنسبة إلى المقدار المشترك ممتثل لأمر حصّل المقدار المشترك الممكن التحصيل وإن كان عاصيا في ترك الفضل ، وفرارا عن هذا العصيان وطلبا للفضل قد عيّن العقل إتيان ذي الفضل بلا خصوصيّة له في المقدار المشترك ، بل هو وصاحبه في حدّ سواء في ذلك . فصحّ أن نقول : إنّ المقدار المشترك معروض للطلب ، وفي أيّ من المتزاحمين أتاه فقد امتثل أمره - وإن تعيّن امتثاله في الأهمّ تحصيلا لما فيه من الفضيلة - لكن لو ترك ذلك وأتى بالمهمّ ، لم يكن فعله ذلك خلاف المأمور به ؛ فإنّ الأمر بالمهمّ هو عين الأمر بالأهمّ بالنسبة إلى المصلحة المشتركة لا شيء غيره . وملخّص الكلام ومختصر المقام هو : أنّ المصلحة المشتركة مأمور بتحصيلها ، وكلّ من الضدّين مصداق لهذا المأمور به سواء تساويا في مقدار المصلحة أو اختلفا . نعم ، تختصّ صورة الاختلاف بالأمر بالأهمّ تحصيلا للفضل والزيادة ، فلو تركه المكلّف فقد فوّت على نفسه هذه الفضيلة مع تدارك المقدار المشترك المأمور به في ضمن المهمّ بلا قصور فيه ولا فتور . ومن هنا كان سبيل القول بالترتّب واضحا على القول بتبعيّة الأحكام لمصالح في
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 90 . ( 2 ) . النحل ( 16 ) : 90 .