شرح
التفسير الثاني وهو أن التزاحم ( هو تزاحم الجعلين لأجل التوصل إلى مرتبة الفعلية ) بمعنى أنه يوجد حكمان شرعيان مجعولان على نحو القضية الحقيقة موضوعها شروط التكليف ومحمولها الحكم ومتعلقة مثل ( المكلف العاقل القادر يجب عليه إنقاذ الغريق ) و ( المكلف العاقل القادر يحرم عليه الغصب ) وفي مرتبة الجعل ولوح التشريع لا تناف بين هذين القانونين لوضوح امكان نقشهما معا في اللوح التشريعي . هذا من جهة .
ومن جهة أخرى لو فرض بسبب خاص توقف الانقاذ على الغصب فهنا يكون المكلف قادرا إما على ترك الغصب دون فعل الانقاذ . وإما على فعل الانقاذ دون ترك الغصب .
ومن جهة ثالثة قد عرفت أن الحكم الشرعي لا يصير فعليا إلا عند تحقق موضوعه بكافة شروطه ومنها شرط القدرة .
وعلى هذا فإما أن نحول قدرة المكلف إلى الانقاذ فيكون المكلف قادرا على الانقاذ عاجزا عن الغصب فيتحقق موضوع الحكم الأول فيصير فعليا وينتفي موضوع الحكم الثاني فلا يصير فعليا .
وإما أن نحول قدرة المكلف إلى ترك الغصب فيكون المكلف قادرا عليه وعاجزا عن الانقاذ فيتحقق موضوع الحكم الثاني وينتفي موضوع الحكم الأول أي الانقاذ ، ومن هنا كان أحد الموضوعين متحققا والآخر منتفيا لا محالة .
وهذا معنى ( تزاحم الحكمين الجعلين لأجل التوصل إلى مرتبة الفعلية ) فتحصل أن تحقق التزاحم على هذا التفسير يتوقف على تحقق أمور .
الأول وجود الجعلين أي القانونين الشرعيين المنقوشين في الشريعة على نحو القضية الحقيقية .
الثاني أن يكون موضوع كل من الحكمين مشروطا بقدرة المكلف على الامتثال أي الاتيان بالمتعلق .
الثالث أن نبني على أن فعلية الحكم متوقفة على تحقق موضوع الحكم بكافة شروطه .