فيقال مثلا : العلم حسن ( 1 ) ، والتعلم حسن ( 2 ) ، وبضد ذلك يقال : الجهل قبيح ( 3 ) وإهمال التعلم قبيح ( 4 ) . ويراد بذلك : أن العلم والتعلم كمال للنفس وتطور في وجودها ( 5 ) ، وأن الجهل وإهمال التعلم نقصان فيها وتأخر في وجودها .
وكثير من الأخلاق الإنسانية حسنها وقبحها باعتبار هذا المعنى ( 6 ) ، فالشجاعة والكرم والحلم والعدالة والإنصاف ونحو ذلك إنما حسنها باعتبار أنها كمال للنفس وقوة في وجودها . وكذلك أضدادها قبيحة لأنها نقصان في وجود النفس وقوتها .
ولا ينافي ذلك أنه يقال للأولى : حسنة ، وللثانية : قبيحة باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين .
وليس للأشاعرة ظاهرا نزاع في الحسن والقبح بهذا المعنى ، بل جملة منهم يعترفون بأنهما عقليان ، لأن هذه من القضايا اليقينيات التي وراءها واقع خارجي تطابقه ، على ما سيأتي .
( ثانيا ) : أنهما قد يطلقان ويراد بهما الملاءمة للنفس والمنافرة لها ، ويقعان وصفا بهذا المعنى أيضا للأفعال ( 7 ) ومتعلقاتها من أعيان وغيرها .
فيقال في المتعلقات : هذا المنظر حسن جميل . هذا الصوت حسن مطرب ، هذا المذوق حلو حسن . . . وهكذا .
ويقال في الأفعال : نوم القيلولة حسن . الأكل عند الجوع حسن ، والشرب بعد العطش حسن . وهكذا .
وكل هذه الأحكام لأن النفس تلتذ بهذه الأشياء وتتذوقها لملاءمتها لها . وبضد
شرح
( 1 ) والمراد من العبارة : هي متعلقات الأفعال من الصفات مثل قولك : العلم حسن ، فإن الحسن وقع وصفا لمتعلق الفعل وهو العلم .
( 2 ) فإن الحسن وقع وصفا للتعلم الذي هو فعل اختياري .
( 3 ) فإن القبح وقع وصفا لمتعلق الفعل وهو الجهل .
( 4 ) فإن القبح وقع وصفا للفعل الاختياري وهو الإهمال .
( 5 ) أي : وجود النفس .
( 6 ) باعتبار كمال النفس ، ونقصان النفس .
( 7 ) وهو أعم من الاختياري والاضطراري .