ومن قال بالمجاز : يستشكل في ظهور العام وحجيته في جميع الباقي من جهة : أن المفروض أن استعمال العام في تمام الباقي مجاز واستعماله في بعض الباقي مجاز آخر أيضا ، فيقع النزاع في أن المجاز الأوّل ( 1 ) أقرب إلى الحقيقة ، فيكون العام ظاهرا فيه ، أو أن المجازين متساويان فلا ظهور في أحدهما . فإذا كان المجاز الأوّل هو الظاهر كان العام حجة في تمام الباقي ، وإلا فلا يكون حجة .
أما نحن الذين نقول بأن العام المخصص حقيقة كما تقدم ، ففي راحة من هذا النزاع ، لأنا قلنا : إن أداة العموم باقية على ما لها من معنى الشمول لجميع أفراد مدخولها ، فإذا خرج من مدخولها بعض الأفراد بالتخصيص بالمتصل أو المنفصل فلا تزال دلالتها على العموم باقية على حالها ، وإنما مدخولها تتضيق دائرته بالتخصيص .
فحكم العام المخصص حكم العام غير المخصص في ظهوره في الشمول لكل ما يمكن أن يدخل فيه .
وعلى أي حال ، بعد القول بأن العام المخصص حقيقة في الباقي - على ما بيناه - لا يبقى شك في حجيته في الباقي . وأيما يقع الشك على تقدير القول بالمجازية ، فقد نقول : إنه حجة في الباقي على هذا التقدير ( 2 ) ، وقد لا نقول . لا أنه كل من يقول بالمجازية يقول بعدم الحجية ، كما توهم ذلك بعضهم ( 3 ) .
شرح
فإذا قلنا : بأن العام حقيقة في تمام الباقي فلا مجال للبحث ، أي : فلا إشكال في حجية العام في التسعين . ويتفرع عليه : أن كل فرد مشكوك ، وكنا نعرف أنّه داخل في حكم العام يثبت له حكم العام . وإذا قلنا : بأن العام مجاز في تمام الباقي ، وقلنا بعدم حجية العام في الباقي حينئذ يبقى الفرد المشكوك معلقا ؛ يعني : لا يثبت له حكم العام فلا بدّ من دليل خاص ، وإلا رجعنا إلى الأصول العملية لتحديد الوظيفة العملية لهذه الحالة .
( 1 ) أي : استعمال العام في تمام الباقي .
( 2 ) أي : على تقدير القول بالمجازية .
( 3 ) هذه العبارة إشارة إلى ما توهمه بعض ، حيث ذهب إلى أن كل من قال بأن العام حقيقة في تمام الباقي يلتزم بكونه حجة فيه ، وكل من قال بأن العام مجاز في تمام الباقي يلتزم بعدم حجيته في تمام الباقي . المصنّف يقول : هذا التوهم فاسد ، وذلك لأنّه قد يلتزم بمجازية العام في تمام الباقي مع ذلك نلتزم بحجيته فيه كما إذا كان هو المجاز الظاهر فيه العام ؛ لأنّه أقرب إلى الحقيقة .
فائدة : هذا البحث إنّما يتصور على القول بأن العام المخصص مجاز .