تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تعلق الطلب به . والمعقول من النهي : أن يتعلق فيه الطلب بردع النفس وكفها عن الفعل ، وهو فعل نفساني يقع تحت الاختيار . والجواب عن هذا التوهم : إن عدم المقدورية في الأزل على العدم لا ينافي المقدورية بقاء واستمرارا ، إذ القدرة على الوجود تلازم القدرة على العدم ، بل القدرة على العدم على طبق القدرة على الوجود ، وإلا لو كان العدم غير مقدور بقاء لما كان الوجود مقدورا ، فإن المختار القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ( 1 ) . والتحقيق : أن هذا البحث ساقط من أصله ، فإنه - كما أشرنا إليه فيما سبق - ليس معنى النهي هو الطلب ، حتى يقال إن المطلوب هو الترك أو الكف ، وإنما طلب الترك من لوازم النهي ، ومعنى النهي المطابقي : هو الزجر والردع . نعم الردع عن الفعل يلزمه عقلا طلب الترك ، كما أن البعث نحو الفعل في الأمر يلزمه عقلا الردع عن الترك . فالأمر والنهي كلاهما يتعلقان بنفس الفعل رأسا ، فلا موقع للحيرة والشك في أن الطلب في النهي يتعلق بالترك أو الكف .

5 - دلالة صيغة النهي على الدوام والتكرار

اختلفوا في دلالة ( صيغة النهي ) على التكرار أو المرة كالاختلاف في صيغة ( افعل ) . والحق هنا : ما قلناه هناك بلا فرق ، فلا دلالة لصيغة ( لا تفعل ) لا بهيئتها ولا بمادتها على الدوام والتكرار ولا على المرة ، وإنما المنهي عنه صرف الطبيعة ، كما أن المبعوث نحوه في صيغة ( افعل ) صرف الطبيعة .
شرح
( 1 ) وبعبارة أخرى نقول : جواب المصنّف في الحقيقة ينحل إلى جوابين : الأوّل : إن غير المقدور للمكلف هو ذات العدم الأزلي لا استمراره وبقاؤه ، فإنه مقدور للمكلف ، فيصح أن يتعلق به النهي . الثّاني : يتم هذا الجواب بذكر مقدمتين : الأولى : إن القادر هو من يقدر على الطرفين : طرف الوجود وطرف العدم ، أي : إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وإلا لو كان قادرا على الفعل فقط أو على الترك فقط لكان مجبورا أو مضطرا لا قادرا . الثّانية : وإذا اعترف الخصيم بأن الفعل مقدور يلزمه الاعتراف بكون العدم مقدورا أيضا ، وإلا لو كان العدم غير مقدور لما كان الفعل مقدورا ، مع أنه يعترف بأن الفعل مقدور ، فلا بدّ أن يعترف بأن العدم مقدور أيضا ، وإذا كان العدم مقدورا صح أن يتعلق به النهي .