تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
اختص النهي في خلاف واحد ، وهو أن المطلوب في النهي هل هو مجرد الترك أو كف النفس عن الفعل ، والفرق بينهما : أن المطلوب على القول الأوّل : أمر عدمي محض ، والمطلوب على القول الثّاني : أمر وجودي ، لأن الكف فعل من أفعال النفس . والحق هو القول الأوّل . ومنشأ القول الثّاني : توهم هذا القائل إن الترك - الذي معناه إبقاء عدم الفعل المنهي عنه على حاله - ليس بمقدور للمكلف ، لأنه أزلي خارج عن القدرة ، فلا يمكن
شرح
- وبعبارة أخرى : حينما يقال لك : لا تشرب الخمر هنا ما هو المطلوب منك ؟ هل المطلوب منك الكف عن الشرب أم مطلوب منك ترك الشرب ؟ - بعضهم قال : المطلوب الكف عن الشرب ولا يريد ترك الشرب ؛ لأن ترك شرب الخمر أمر عدمي أي : أنه حاصل من الأول ، أي : الترك حاصل من الأوّل . إذا : الترك أمر قديم فلا معنى أن يطلب الله « عزّ وجل » مني الترك لأنه تحصيل للحاصل وهو تكليف بغير المقدور . إذا : لا بدّ من أن يكون تعلق النهي هو الكف الذي هو أمر وجودي . - يرد صاحب الكفاية على هذا الإشكال قائلا : إن الترك ليس خارجا عن حيز القدرة والاختيار كما ادعي ، وإلا لم يكن الفعل مقدورا أيضا ، لأن نسبة القدرة إلى الفعل والترك نسبة واحدة ، فمقدورية أحدهما تستلزم مقدورية الآخر ، ولما كان الفعل مقدورا بالقدرة فالترك كذلك . - وبعبارة أخرى : إن الترك أمر مقدور والدليل على أن المكلف قادر على الترك : أنه قادر على الفعل أي : قادر على أن يشرب الخمر كما في المثال . ومتى ما صدق على أنه قادر على الشرب لازمه أن يصدق أنه قادر على الترك ، وإن القدرة على الفعل لا تصدق إلا إذا الترك كان مقدورا ، والعكس صحيح ، وإلا كيف يصدق أني قادر على الشرب من دون أن تكون لي القدرة على الترك . - ولأجل حل الشبهة المذكورة - يقال : قلتم إن الترك أمر أزلي وحاصل من القديم فهو خارج عن القدرة . - الجواب : أن الترك يكون خارج عن القدرة حدوثا لا بقاء واستمرارا يعني : بقاء الترك بيدي واختياري وليس خارج اختياري وقدرتي ؛ بأن مثلا : يوجد ماء تحت يدي فترك الماء تحت قدرتي أستطيع أن أكسر هذا الترك بشرب الماء . إذا : الترك بقاء واستمرارا تحت القدرة لا خارج القدرة كما ادعي ، وإذا قال الله « عزّ وجل » : « لا تشرب الخمر » إذا قلنا : أن النهي هو تعلق الطلب فيه مجرد الترك وأن لا يفعل ، فالمقصود من الترك ليس أن تجد الترك من الأول حتى يرد الإشكال وهو أن الترك حاصل ، وهذا النهي متعلق بالحاصل فيستحيل تحصيل الحاصل . بل المقصود من الترك البقاء والاستمرار على الترك وهو مقدور عليه . لأن الاستمرارية أمر أزلي فيمكن للمكلف أن يستمر في الترك ويمكن له أن لا يستمر .