وحينئذٍ يصحّ للشيخ قدس سره أن يقول إنّا لو سددنا باب التسامح العرفي المذكور في الخاتمة والتزمنا بلزوم الاتّحاد بين الموضوعين بالدقّة العقلية ، ينحصر الاستصحاب في الأحكام الشرعية بصورة الشكّ في وجود ما هو رافع الحكم ابتداءً كما في الصورة الأُولى ، ويلحق بها الصورة الثانية ، ولا يجري في باقي الصور لعدم كون الشكّ فيها فيما هو رافع للحكم ابتداءً ، وحينئذٍ لا حاجة في توجيه كلامه قدس سره إلى دعوى أنّ مراده بالرافع هنا ما يختصّ بالأمر الوجودي بخلاف الرافع الذي ذكره في أوائل الاستصحاب ، لما عرفت من إمكان الجمع في كلامه بحمل الرافع هنا على ما يكون رافعاً للحكم ابتداءً ، بخلاف الرافع هناك فإنّه أوسع من ذلك .
ويمكن أن يقال : إنّه لا يحتاج إلى هذا المقدار من الاختلاف ، بل إنّ الرافع هنا هو الرافع هناك ، وليس هو في استصحاب الأحكام إلّا ما يكون رافعاً للحكم سواء ذكر في هذا المقام أو ذكر في ذلك المقام ، لكن لمّا كان من الواضح أنّ الشكّ في الرافع إنّما يكون بعد إحراز الاتّحاد بين الموضوعين في القضيتين ، وإلّا لم يكن الشكّ في الرافع ، بل كان الشكّ في البقاء من جهة عدم الاتّحاد أو من جهة عدم إحراز الاتّحاد ، لما هو واضح من أنّ عدم سراية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر ليس من قبيل ارتفاع الحكم ، وإن صحّ لنا بنحو من العناية أن نقول إنّ الحكم يرتفع بارتفاع موضوعه ، إلّا أنّ الحقيقة إنّما هي مجرّد عدم معقولية بقاء الحكم بعد ارتفاع موضوعه .
فإن أبقينا هذا الاختلاف بحاله بأن قلنا باعتبار الاتّحاد بالدقّة العقلية ، لم يكن الاستصحاب في هذه الصورة جارياً لعدم كون الشكّ فيها شكّاً في الرافع ، لما عرفت من عدم صدق الشكّ في الرافع مع اختلاف الموضوعين ، وانحصر
أصول الفقه — صفحة 72
مساهمون: الشيخ حسين الحلي
ص٧٢