تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وحينئذٍ ننقل الكلام إلى ذلك الوعيد فنراه كما هو واضح مختصّاً بمن خالف مراداته ، غايته أنّه لا بدّ أن تكون تلك المرادات معلومة واصلة إلى ذلك العبد الذي خالفها ، لكن ذلك - أعني تقيّدها بالعلم - لا يوجب كون العلم بنفسه هو تمام العلّة في الاستحقاق ، وإنّما أقصى ما في البين هو خروج الإرادة غير الواصلة عن كون مخالفتها موجبة لاستحقاق العقاب ، لا أنّها تنعزل بالمرّة عن إيجاب الاستحقاق ، ويكون الموجب للاستحقاق هو مجرّد القطع بها وإن لم تكن هي ثابتة في الواقع ، وبذلك ينقدح لك ما في الدليل الأوّل . وأمّا الدليل الثاني ، وهو التمسّك بأذيال القبح الفاعلي ، فنحن يمكننا القول به ، وأنّه متحقّق في صورة الخطأ ، إلّا أنّ ذلك القبح لا أثر له بعد أن عرفت أنّ المدار في الاستحقاق إنّما هو مخالفة مراد المولى . وأمّا كون العبد بصدد مخالفته لكنّه لم يتّفق له ذلك ، فلا دليل على كونه موجباً لاستحقاق العقاب ، وإن كان في حدّ نفسه ممّا يقبّحه العقل لكونه مخالفاً لما يستحسنه من لزوم شكر المنعم ، ولا يلزم من ذلك إناطة العقاب بأمر غير مقدور ، وإنّما يلزم منه عدم العقاب لأمر غير مقدور ، وهذا لا ضير فيه ولا بدّ من الالتزام به ، كما لو حبس خبيث السريرة ومنع من الخروج عن الدار مثلًا ، وكان بحيث لو أُطلق عنانه لارتكب المعاصي العظام ، فهل ترى أحداً يلتزم بأنّه يستحقّ العقاب على تلك المعاصي التي لو أُطلق عنانه لارتكبها ، كلّا ثمّ كلّا ، مع أنّه من قبيل عدم العقاب لأمر غير مقدور . والحاصل : أنّ العقاب لا يكون معلولًا إلّا لمخالفة إرادة المولى ، ولا دليل على استحقاقه بمجرّد إظهار الطغيان ، سواء كان بالتجرّي المعروف ، أو كان من مجرّد النيّة مع الشروع في المقدّمات أو بدون الشروع فيها ، من دون فرق في ذلك بين أن نقول إنّ العقاب إنّما يأتي من ناحية الوعيد على المخالفة كما حرّرناه . أو