تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
العقاب إلّا إذا كانت مستتبعة لحكم شرعي ، والمفروض فيما نحن فيه عدم استتباعها للحكم الشرعي ، لما حقّق في محلّه « 1 » من عدم قابلية مقام الإطاعة والعصيان للحكم الشرعي . لا يقال : كيف لا يعاقب وقد صار بصدد الطغيان وأظهر العصيان . لأنّا نقول : إنّ ذلك بمجرّده لا يكون موجباً لاستحقاق العقاب ما لم يكن مخالفة إرادة المولى . ولو سلّم استحقاقه بذلك كان توسّط حكومة العقل بقبح التجرّي من باب حكومة العقل بلزوم شكر المنعم لغواً صرفاً ، إذ لم يكن هو المنشأ في الاستحقاق وإنّما كان المنشأ له هو كون العبد بصدد الطغيان . وبالجملة : أنّ حكومة العقل بقبح التجرّي لا أثر لها في الاستحقاق ، إذ لا أثر لمخالفة هذه الحكومة العقلية . وإنّما تكون مخالفة الحكومة العقلية مقرونة باستحقاق العقاب إذا كان ملاك تلك الحكومة هو الفرار عن العقاب المرتّب على مخالفة إرادة المولى ، وفي الحقيقة يكون حكم العقل بالقبح المذكور معلولًا لاستحقاق العقاب على ما قد حكم بقبحه ، ومن الواضح أنّ الانتقال من الحكم إلى علّته إنّما يتمّ في غير الأحكام العقلية كما في الأحكام الشرعية المعلولة عن المصالح والمفاسد ، فإنّ الحكم الشرعي يكون كاشفاً عن ثبوت علّته ، بحيث إنّه لو ثبت الحكم بطريق آخر غير علّته المذكورة لكان ثبوت الحكم المذكور دليلًا عليها وكاشفاً عنها ، أمّا حكم العقل نفسه فلا يتأتّى فيه الاستكشاف المزبور ، إذ ليس الحاكم غيره . وفي الحقيقة أنّه مع قطع النظر عن لزوم شكر المنعم لا يبقى للعقل حكم استقلالي بقبح المعصية ، بل ليس في البين إلّا انزجار العقل وفراره عن المعصية حذراً من الوقوع على ما رتّبه الشارع عليها من العقاب ، وفي
هامش
( 1 ) راجع المجلّد الرابع من هذا الكتاب ، الصفحة : 362 وما بعدها .
أصول الفقه — صفحة 137 | الشيخ حسين الحلي