تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
وتلك المرتبة هي مرتبة بيان الحكم والاعلان به وتبليغه على النحو المتعارف ، ولا ريب أنّ هذه المرتبة لا تؤثّر على المرتبة الأولى بعد فرض أنّها أثّرت أثرها ، بأن جعل الشارع الحكم على طبقها . نعم ربما كان الوقت غير ملائم لجعل الحكم بحيث كانت هناك مفسدة تمنع من جعله ، لكن هذا وإن كان ممكنا إلّا أنّ فرض الكلام إنّما هو خلافه ، لأنّ فرض الكلام إنّما هو بعد أن كانت مصلحة الجعل تامّة غير مزاحمة بشيء ، وإنّما كان المانع مانعا من إظهاره والإعلان به . والغرض من هذا كلّه مجرّد الامكان لينفتح لنا كون المسألة من باب التخصيص المنفصل ، مثلا لو كان ولدك يضرّه لبس الحرير بأن يكون لبسه له موجبا لوقوعه في حمّى أيّام قلائل ، لكنّك لو أخبرته بأنّه حرام عليه يموت ، ففي هذه الصورة تارة يكون الشارع الحكيم قد جعل له حرمة لبس الحرير لكنّه لا يخبره به مخافة موته من جهة إخباره به ، فكان الضرر الأهمّ في الإخبار لا في أصل الجعل والتشريع . وأخرى لا يجعل له الحرمة بل يؤخّر جعلها حتّى يرتفع محذور إخباره بها وعند ذاك يجعلها ويخبره بها لأجل جهة تمنع من أصل الجعل ، والكسر والانكسار إنّما يجري في الصورة الثانية دون الأولى . والخلاصة : هي أنّ المفسدة الغالبة إن كانت في نفس الجعل كان المقام من قبيل الكسر والانكسار ورجع الأمر إلى النسخ ، وإن لم تكن المفسدة الغالبة إلّا في البيان بعد الجعل لم يكن لغلبتها أثر إلّا ترك البيان مع بقاء الحرمة الواقعية على ما هي عليه ، فلا يكون المقام إلّا من قبيل تأخير البيان لا من باب النسخ ، وفي الحقيقة يكون الكسر والانكسار في البيان ، فإنّه واجب في حدّ نفسه على الحكيم من باب اللطف ، لكونه موصلا لهم إلى المصلحة الواقعية ومبعدا لهم عن
أصول الفقه — صفحة 365 | الشيخ حسين الحلي