تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفقه — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
الذات خارجا ، وأمّا ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى فالمغايرة الخارجيّة للذات معدومة في المبادي والمشتقّات كليهما ، والمغايرة المفهوميّة متحقّقة في كليهما أيضا فلم يحدث تلك الزيادة في طرف المبادي . والحقّ في المقام أنّ هذه الألفاظ باقية على معانيها الأصليّة اللغويّة ولم يتصرّف فيها بالنقل أو التجوّز لا في طرف المادّة ولا في طرف الهيئة ، أمّا في الأوّل فلأنّا نعلم بحسب فطرتنا إجمالا بأنّ في مقابل الجهل شيئا يعبّر عنه بالعلم وأنّه حسن كما أنّ الجهل قبيح ، وأنّ ما منه موجود فينا هو الفرد القاصر العاجز الناقص المحدود ؛ لكوننا قاصرين عاجزين ناقصين محدودين ، وما منه موجود في الباري تعالى هو الفرد الأكمل والأشرف الأعلى ؛ ضرورة أنّه معط لهذا الوصف الجميل إيّانا فكيف يفقده نفسه ، ولا بدّ أن يكون الموجود فيه تعالى هو العلم بهذا المعنى المقابل للجهل ؛ إذ هو الذي يكون صفة كمال ، وغيره لم يعلم كونه كذلك ، وأمّا أنّه بأيّ نحو فلا نعلم تفصيله ، ولفظ العلم موضوع لهذا المعنى وكيفيّات تحقّقه المختلفة بحسب اختلاف الموارد خارجة عن الموضوع له ، وهكذا الكلام في سائر الموادّ كالحياة والقدرة والبصارة ونحوها . وأمّا في الثاني فلأنّه لا شكّ أنّا إذا أردنا انتزاع الوصف نتخيّل الذات مغايرا للمبدا ، والمبدا مغايرا للذات أوّلا ، ثمّ ننتزع منهما الوصف ، فالمبدأ والذات متغايران في عالم التخيّل من دون فرق في ذلك بين الصفات الجارية عليه تعالى وبين غيرها ، فالهيئة موضوعة لعنوان بسيط منتزع عن الذات مع مبدأ يغايرها في عالم التخيّل ، غاية الأمر أنّ هذه الغيريّة في غيره تعالى لها واقعيّة وفيه تعالى إنّما هي مجرّد الفرض بلا واقعيّة ، وهذا هو السرّ في عدم صحّة حمل لفظ العلم عليه تعالى إلّا على وجه التجوّز ، وصحّة إضافته حيث إنّ لحاظ الغيريّة مأخوذ في معناه وإن لم يؤخذ في معنى أصل المادّة ، وهذا التخيّل لا ينافي اعتقاد العينيّة والاتحاد في صفاته تعالى خارجا أصلا ، بل هو ممكن مع حفظ هذا الاعتقاد ، ألا ترى أنّ المعتقد بوحدة جنس الشيء وفصله معه في الخارج يميزهما عنه في عالم الفرض مع حفظ ذلك الاعتقاد .