هو غير مانع عن شمول دليل أصل الإباحة لو قلنا بعدم اختصاصه بما إذا كان أحد طرفي الشكّ التكليف والآخر اللاتكليف ، بل عمومه لكلّ ما إذا شكّ في الحرمة سواء كان طرفها الوجوب أم غيره ، والجمع بين الالتزام بالتكليف والالتزام بالإباحة على نحو قرّر في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي .
[ في انّ المخالفة القطعية العملية التدريجيّة هل تكون مانعة عن إجراء الإباحة ]
هذا كلّه في ما إذا لم يمكن المخالفة القطعيّة العمليّة ولو تدريجا ، وأمّا لو أمكن بطريق التدريج فيقع الكلام في أنّ المخالفة القطعيّة الحاصلة بالتدريج ليست بمانعة عقلا عن إجراء الإباحة أو هي مانعة ؟ .
وليعلم أوّلا أنّه ليس المراد بالتدريج مطلق الحصول في جزءين متعاقبين من الزمان ؛ لوضوح أنّ شرب الإنائين المشتبهين بالخمر أيضا تدريجي بهذا المعنى ، بل المراد التدريجيّة من حيث توجّه التكليف بأن كان التكليف المعلوم مردّدا بين ما يتوجّه إلى المكلّف في الحال ، وما يتوجّه إليه في الاستقبال ، كما لو علم بأنّه إمّا يجب عليه إكرام زيد في هذا اليوم أو إكرام عمرو فيما بعد أربعة أيّام ؛ فإنّ الواجب إن كان الأوّل فهو في الحال يتنجّز عليه التكليف ، وإن كان الثاني فهو في الحال غير مكلّف ؛ إذ تنجّز ذاك يتوقّف على حضور ذاك الزمان .
وهذا موجود في الشبهة الحكميّة ، كما لو شكّ في وجوب صلاة الجمعة في جميع الأسابيع أو حرمته في جميعها ، فلو صلاها في أسبوع وتركها في أسبوع آخر يعلم بملاحظة الزمانين بصدور المخالفة القطعيّة منه ؛ إذ يعلم بأنّه إمّا أن يكون الفعل في الأوّل حراما أو الترك في الثاني ، فماله دخل في حصول المخالفة القطعيّة في هذا الفرض هو العلم بأنّه إمّا يحرم في الأسبوع الأوّل وإمّا يجب في الأسبوع الثاني ، لوضوح أنّ العلم بالوجوب أو الحرمة في كلّ واحد من الأسبوعين منفردا لا دخل له في ذلك ؛ لعدم إمكان المخالفة القطعيّة من هذا الحيث .
إذا تقرّر ذلك فقد يقال بأنّ المكلّف في الأسبوع الأوّل لا يعلم بتوجّه تكليف إليه ؛ لاحتمال أن تكون الصلاة في الأسبوع الثاني واجبة ؛ إذ على هذا التقدير لا يتوجّه هذا التكليف التحريمي إليه في هذا الأسبوع ، ثمّ في الأسبوع الثاني أيضا