تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
فإنّ ذلك " 1 " من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرّى من العوامل إلّا لحديث قد نوي إسناده إليه . وإذا كان كذلك ، فإذا قلت : " عبد اللّه " ، فقد أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه ، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا : " قام " أو قلت : " خرج " ، أو قلت : " قدم " فقد علم ما جئت به وقد وطّأت له وقدّمت الإعلام فيه ، فدخل على القلب دخول المأنوس به ، وقبله قبول المهيّئ له المطمئنّ إليه ، وذلك لا محالة أشدّ لثبوته ، وأنفى للشبهة ، وأمنع للشك ، وأدخل في التحقيق . وجملة الأمر أنّه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلا ، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له ، لأنّ ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام . ومن هاهنا قالوا : إنّ الشيء إذا أضمر ثم فسّر ، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدمة إضمار . ويدلّ على صحة ما قالوه أنّا نعلم ضرورة في قوله تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
[ الحج : 46 ] ، فخامة وشرفا وروعة ، لا نجد منها شيئا في قولنا : " فإن الأبصار لا تعمى " ، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصّة . فقوله تعالى :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
[ المؤمنون : 117 ] ، يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين ، ما لو قيل : " إن الكافرين لا يفلحون " ، لم يستفد ذلك . ولم يكن ذلك كذلك إلّا لأنك تعلمه إيّاه من بعد تقدمة وتنبيه ، أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطّد ، ثم بنى ولوّح ثم صرّح . ولا يخفى مكان المزيّة فيما طريقه هذا الطريق . ويشهد لما قلنا من أنّ تقديم المحدّث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له ، أنّا إذا تأمّلنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر ، نحو أن يقول الرجل : " ليس لي علم بالذي تقول " ، فتقول له : " أنت تعلم أن الأمر على ما أقول ، ولكنّك تميل إلى خصمي " ، وكقول الناس : " هو يعلم ذاك وإن أنكر ، وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه " ، وكقوله تعالى :
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ آل عمران : 75 ] ، فهذا من أبين شيء . وذاك أن الكاذب ، لا سيما في الدين ، لا يعترف بأنه كاذب ، وإذا لم يعترف بأنه كاذب ، كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنّه كاذب . أو يجيء " 2 " فيما اعترض فيه شكّ ، نحو أن يقول الرجل : " كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك " ، فيقول : " أنا أعلم ، ولكنّي أداريه " .
هامش
( 1 ) قوله : ( فإن ذلك ) جواب لقوله : ( فمن أين وجب ) . ( 2 ) قوله : ( أو يجيء ) جملة معطوفة على قوله : ( يجيء فيما سبق ) .