والقسم الثاني : أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى ، ولكن على أنك أردت أن تحقّق على السامع أنه قد فعل ، وتمنعه من الشك ، فأنت لذلك تبدأ بذكره ، وتوقعه أوّلا - ومن قبل أن تذكر الفعل " 1 " - في نفسه ، لكي تباعده بذلك عن الشّبهة ، وتمنعه من الإنكار ، أو من أن يظنّ بك الغلط أو التزيّد . ومثاله قولك :
" هو يعطي الجزيل " ، و " هو يحبّ الثناء " ، لا تريد أن تزعم أنه ليس هنا من يعطي الجزيل ويحبّ الثناء غيره ، ولا أن تعرّض بإنسان وتحطّه عنه ، وتجعله لا يعطي كما يعطى ، ولا يرغب كما يرغب ، ولكنك تريد أن تحقّق على السامع أن إعطاء الجزيل وحبّ الثناء دأبه ، وأن تمكّن ذلك في نفسه .
ومثاله في الشعر : [ من الطويل ]
هم يفرشون اللّبد كلّ طمرّة * وأجرد سبّاح يبذّ المغالبا " 2 "
لم يرد أن يدّعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها ، وينصّ عليهم فيها ، حتى كأنه يعرّض بقوم آخرين ، فينفي أن يكونوا أصحابها . هذا محال . وإنما أراد أن يصفهم بأنّهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل ، وأنّهم يقتعدون الجياد منها ، وأن ذلك دأبهم ، من غير أن يعرّض لنفيه عن غيرهم ، إلّا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع لهم ، ويعلم بديّا " 3 " قصده إليهم بما في نفسه من الصفة ، ليمنعه بذلك من الشكّ ، ومن توهّم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم ، أو أن يكون قد أراد غيرهم فغلط إليه .
وعلى ذلك قول الآخر : [ من الطويل ]
هم يضربون الكبش يبرق بيضه ، * على وجهه من الدّماء سبائب " 4 "
هامش
( 1 ) قوله : ( ومن قبل أن تذكر الفعل ) جملة اعتراضية وسياق الكلام وتوقعه أولا . . . . في نفسه .
( 2 ) البيت للمعذل بن عبد الله الليثي الشاعر الإسلامي . الحماسة بشرح المرزوقي ( 4 / 1763 ) .
اللبد : الصوف . القاموس مادة / لبد / ( 404 ) . الطمرة : الطمر بتشديد الراء الفرس الجواد المستفز للعدو ، اللسان مادة / طمر / ( 4 / 503 ) . الأجرد : فرس أجرد أي قصير الشعر ، القاموس / جرد / ( 347 ) . السوابح : هي الخيل لسبحها بيديها في سيرها . القاموس / سبح / ( 284 ) .
البذّ : أي الغلبة . القاموس / بذّ / ( 422 ) .
( 3 ) بديا : بداوة الشيء أول ما يبدأ منه . القاموس / بدا / ( 1629 ) .
( 4 ) البيت للأخنس بن شهاب بن شريق بن ثمامة بن تغلب بن وائل ، وهو في المفضليات رقم ( 41 ص 207 ) ، والإيضاح ( 64 ) . الكبش : رئيس القوم وحاميهم . البيض : جمع بيضة ، وهي قلنسوة الحديد . السبائب : الطرائق الواحدة سبيبة وإنما خصّ الوجه لأنه أشجع للمضروب ، إنما يضرب في رأسه مقبلا ، فالدم في وجهه .