تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وإذا قلت : " ما زيدا ضربت " ، فقدمت المفعول ، كان المعنى على أنّ ضربا وقع منك على إنسان ، وظنّ أن ذلك الإنسان زيد ، فنفيت أن يكون إياه . فلك أن تقول في الوجه الأول : " ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس " ، وليس لك ذلك في الوجه الثاني . فلو قلت : " ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس " ، كان فاسدا على ما مضى في الفاعل . ومما ينبغي أن تعلمه ، أنه يصحّ لك أن تقول : " ما ضربت زيدا ، ولكني أكرمته " ، فتعقب الفعل المنفيّ بإثبات فعل هو ضدّه ، ولا يصحّ أن تقول : " ما زيدا ضربت ، ولكني أكرمته " ، وذاك أنّك لو ترد أن تقول : لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك ، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ، ولكن ذاك . فالواجب إذن أن تقول : " ما زيدا ضربت ولكن عمرا " . وحكم الجارّ مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب ، فإذا قلت : " ما أمرتك بهذا " ، كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك ، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر ، وإذا قلت : " ما بهذا أمرتك " ، كنت قد أمرته بشيء غيره .

[ فصل : الاستفهام له التقديم والصدارة وتقديم ما يقارنه من اسم وفعل ]

- واعلم أنّ الذي بان لك في " الاستفهام " و " النفي " من المعنى في التقديم ، قائم مثله في " الخبر المثبت " . فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدّث عنه بفعل فقدّمت ذكره ، ثم بنيت الفعل عليه فقلت : " زيد قد فعل " و " أنا فعلت " ، و " أنت فعلت " ، : اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل ، إلا أنّ المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين : أحدهما : جليّ لا يشكل : وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنصّ فيه على واحد فتجعله له ، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر ، أو دون كل أحد . ومثال ذلك أن تقول : " أنا كتبت في معنى فلان " 1 " ، وأنا شفعت في بابه " ، تريد أن تدّعي الانفراد بذلك والاستبداد به ، وتزيل الاشتباه فيه ، وتردّ على من زعم أن ذلك كان من غيرك ، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت . ومن البيّن في ذلك قولهم في المثل : " أتعلّمني بضبّ أنا حرشته " " 2 " .
هامش
( 1 ) باب فلان : الباب والبابة : الغاية . القاموس / بوب / ( 77 ) . ( 2 ) ذكره الميداني في مجمع الأمثال ( 1 / 173 ) . بلفظ " تعلمني بضب أنا حرشته " . وحرش الضب : ( صيده ) يضرب لمن يخبرك بشيء أنت به منه أعلم . ورد أيضا في اللسان / حرش / ( 6 / 280 ) .
دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 89 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني