تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
" التفجير " للعيون في المعنى ، وأوقع على الأرض في اللفظ ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس . وقد حصل بذلك من معنى الشّمول هاهنا ، مثل الذي حصل هناك . وذلك أنه قد أفاد أنّ الأرض قد كانت صارت عيونا كلّها ، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها . ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل : " وفجّرنا عيون الأرض ، أو العيون في الأرض " ، لم يفد ذلك ولم يدلّ عليه ، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرّقة في الأرض ، وتبجّس من أماكن منها . واعلم أنّ في الآية الأولى شيئا آخر من جنس " النظم " ، وهو تعريف " الرأس " بالألف واللام ، وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة ، وهو أحد ما أوجب المزيّة . ولو قيل : " واشتعل رأسي " ، فصرّح بالإضافة ، لذهب بعض الحسن ، فاعرفه . وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل " الاستعارة " فيه هذا السبيل ، ليستحكم هذا الباب في نفسك ، ولتأنس به . فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب : [ من الرجز ]
اللّيل داج كنفا جلبابه * والبين محجور على غرابه
ليس كلّ ما ترى من الملاحة لأن جعل للّيل جلبابا ، وحجر على الغراب ، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى ، فجعل " الليل " مبتدأ ، وجعل " داج " خبرا له وفعلا لما بعده وهو " الكنفان " ، وأضاف " الجلباب " إلى ضمير " الليل " ، ولأن جعل كذلك " البين " مبتدأ ، وأجرى محجورا خبرا عنه ، وأن أخرج اللفظ على " مفعول " . يبيّن ذلك أنك لو قلت : " وغراب البيت محجور عليه ، أو : قد حجر لي غراب البيت " ، لم تجد له هذه الملاحة . وكذلك لو قلت : " قد دجا كنفا جلباب الليل " ، لم يكن شيئا . ومن النادر فيه قول المتنبي : [ من الخفيف ]
غصب الدّهر والملوك عليها * فبناها في وجنة الدّهر خالا " 1 "
هامش
( 1 ) البيت لأبي الطيب المتنبي في ديوانه ( ص 168 ) من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة ويذكر نهوضه إلى ثغر الحدث لمّا بلغه أن الروم أحاطت به وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلاث مائة ( 955 م ) والقصيدة مطلعها :ذي المعالي فليعلون من تعالى * هكذا هكذا وإلا فلا لاوذي اسم إشارة ، وهو خبر مقدم على اسمه المعالي . وفي البيت الآخر : غصب بمعنى قهر ، شبهه بالخال الذي يزين الوجه . ويروى البيت ب " الأرض " بدل " الدهر " .