الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري " 1 " : [ من الكامل ]
دان على أيدي العفاة ، وشاسع * عن كل ندّ في النّدى وضريب
كالبدر أفرط في العلوّ وضوءه * للعصبة السّارين جدّ قريب
وفكّر في حالك وحال المعنى معك ، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبّر نصرته إيّاه ، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه ، ويؤدّي إليه ناظراه ، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه ، وتأمّلت طرفيه ، فإنك تعلم بعد ما بين حالتيك ، وشدّة تفاوتهما في تمكّن المعنى لديك ، وتحبّبه إليك ، ونبله في نفسك ، وتوفيره لأنسك ، وتحكم لي بالصدق فيما قلت ، والحقّ فيما ادّعيت وكذلك فتعهّد الفرق بين أن تقول : " فلان يكدّ نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم منها شيئا " وتسكت ، وبين أن تتلو الآية ، وتنشد نحو قول الشاعر " 2 " : [ من الطويل ]
زوامل للأشعار لا علم عندهم * بجيّدها إلّا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا * بأوساقه أو راح ، ما في الغرائر
والفصل بين أن تقول : " أرى قوما لهم بهاء ومنظر ، وليس هناك مخبر ، بل في الأخلاق دقّة ، وفي الكرم ضعف وقلّة " وتقطع الكلام ، وبين أن تتبعه نحو قول الحكيم : " أما البيت فحسن ، وأما السّاكن فرديء " ، وقول ابن لنكك " 3 " : [ من المنسرح ]
في شجر السرو منهم مثل * له رواء وما له ثمر
وقول ابن الرّومي " 4 " : [ من الخفيف ]
فغدا كالخلاف يورق للعي * ن ويأبى الإثمار كلّ الإباء
هامش
( 1 ) البيتان في ديوانه ، الضريب : المثل والنظير ( راجع هامش رقم 4 ص 101 ) .
( 2 ) البيتان لمروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة . يهجو قوما من رواة الشعر ، وهو في دلائل الإعجاز : 254 ، والكامل للمبرد ، واللسان ( زمل ) . الزوامل : جمع زاملة : بعير يستظهر به الرجل يحمل عليه متاعه وطعامه . الأوساق : جمع وسق ، وهو الحمل . الغرائر : جمع الغرارة : الجوالق .
( 3 ) البيت هو أحد ثلاثة أبيات ذكرها الثعالبي في يتيمة الدهر 2 / 323 ، قال :لا تخدعنك اللّحى ولا الصور * تسعة أعشار من ترى بقر
تراهم كالسحاب منتشرا * وليس فيه لطالب مطر
في شجر . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . .والسّرو : شجر ، واحدته سروة .
( 4 ) البيت في ديوانه : والخلاف : الصفصاف ، وهو بأرض العرب كثير ، ويسمى السّوحر وهو شجر عظام وأصنافه كثيرة ، وكلها خوّار خفيف . [ لسان العرب : خلف ] .