تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩

فصل

قال أبو القاسم الآمدي في قول البحتري " 1 " : [ من البسيط ]
فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق * وحاك ما حاك من وشي وديباج
صوغ الغيث النبت وحوكه النبات ، ليس باستعارة بل هو حقيقة ، ولذلك لا يقال : " هو صائغ " ولا " كأنه صائغ " وكذلك لا يقال : " حائك " و " كأنه حائك " ، على أن لفظة " حائك " خاصّة في غاية الركاكة ، إذا أخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله " 2 " : [ من الطويل ]
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنّه * خلت حقب حرس له وهو حائك
وهذا قبيح جدّا ، والذي قاله البحتري : " وحاك ما حاك " ، حسن مستعمل ، فانظر ما بين الكلامين لتعلم ما بين الرّجلين . قد كتبت هذا الفصل على وجهه ، والمقصود منه منعه أن تطلق الاستعارة على " الصوغ " و " الحوك " ، وقد جعلا فعلا للربيع ، واستدلاله على ذلك بامتناع أن يقال : " كأنه صائغ " و " كأنه حائك " . اعلم أن هذا الاستدلال كأحسن ما يكون ، إلا أن الفائدة تتمّ بأن تبيّن جهته ، ومن أين كان كذلك ؟ والقول فيه : إن التشبيه كما لا يخفى يقتضي شيئين مشبّها ومشبّها به . ثم ينقسم إلى الصريح وغير الصريح ، فالصريح أن تقول : " كأنّ زيدا الأسد " ، فتذكر كل واحد من المشبّه والمشبّه به باسمه - وغير الصريح أن تسقط المشبّه به من الذكر ، وتجري اسمه على المشبّه كقولك : " رأيت أسدا " ، تريد رجلا شبيها بالأسد ، إلا أنك تعيره اسمه مبالغة وإيهاما أن لا فصل بينه وبين الأسد ، وأنه قد استحال إلى الأسدية .
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه فانظره . والتّبر : الذهب كله وقيل : الذهب المكسور ، وقيل : الفتات من الذهب والفضة والورق والورق : الدراهم المضروبة . والوشي : من الثياب وهو يكون من كل لون والجمع : وشاء . والديباج : ضرب من الثياب والدّبج : النقش والتزيين والديباج جمعها : دبابيج وديابيج . ( 2 ) البيت في ديوانه ص 211 ، والبيت فيه " أتت " بدل " خلت " وهو من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري مطلعها :قرى دراهم منّي الدموع السوافك * وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالكوالسوافك : المنصبة ، والحالك : الأسود . وقال الشيخ شاكر : انتهى كلام أبي القاسم الآمدي هنا وهو في كتابه الموازنة 1 / 497 ، 498 ( المعارف ) . ونقله الشيخ ( يقصد عبد القاهر ) في دلائل الإعجاز رقم 647 ص 553 اه . والحقبة : مدة من الدهر جمعها حقب ، والحرس : الدهر .