تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
أثبتّ فعلا وقع على النّور من غير أن كان ثمّ فعل ، ومن غير أن يكون النّور مفعولا ؟ أو هو مما يتعوّذ باللّه منه ، وتقول : الفعل واقع على النّور حقيقة ، وهو مفعول مجهول على الصّحة ، إلا أن حقّ الفعل فيه أن يثبت للّه تعالى ، وقد تجوّز بإثباته للربيع ؟ أفليس قد بان أن التجوّز هاهنا في إثبات الفعل للربيع لا في الفعل نفسه ، فإن التجوّز في مسألة المتخلّص من الهلكة حيث قلت : " إنه خلق مرة ثانية " في الفعل نفسه ، لا في إثباته ؟ فلك كيف نظرت فرق بين المجاز في الإثبات ، وبينه في المثبت . وينبغي أن تعلم أن قولي : " في المثبت مجاز " ، ليس مرادي أن فيه مجازا من حيث هو مثبت ، ولكن المعنى أن المجاز في نفس الشيء الذي تناوله الإثبات نحو أنك أثبتّ الحياة صفة للأرض في قوله تعالى :
يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ سورة الحديد : 17 ] ، والمراد غيرها ، فكان المجاز في نفس الحياة لا في إثباتها هذا ، وإذا كان لا يتصوّر إثبات شيء لا لشيء ، استحال أن يوصف المثبت من حيث هو مثبت بأنه مجاز أو حقيقة . ومما ينتهي في البيان إلى الغاية أن يقال للسائل : هبك تغالطنا بأن مصدر " فعل " نقل أوّلا من موضعه في اللغة ، ثم اشتقّ منه ، فقل لنا ما نصنع بالأفعال المشتقّة من معان خاصّة ، كنسج ، وصاغ ، ووشّى ، ونقش ؟ أتقول إذا قيل " نسج الربيع " و " صاغ الربيع " و " وشّى " : إن المجاز في مصادر هذه الأفعال التي هي النّسج والوشي والصّوغ ، أم تعترف أنه في إثباتها فعلا للربيع ؟ وكيف تقول : " إن في أنفسها مجازا " ، وهي موجودة بحقيقتها ؟ بل ما ذا يغني عنك دعوى المجاز فيها ، لو أمكنك ، ولا يمكنك أن تقتصر عليها في كون الكلام مجازا - أعني لا يمكنك أن تقول : " إن الكلام مجاز من حيث لم يكن ائتلاف تلك الأنوار نسجا ووشيا " ، وتدع حديث نسبتها إلى الربيع جانبا ؟ هذا ، وهاهنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في مصدر الفعل منه كقولك : " سرّني الخبر " ، فإن السرور بحقيقته موجود ، والكلام مع ذلك مجاز . وإذا كان كذلك ، علمت ضرورة ليس المجاز إلّا في إثبات السرور فعلا للخبر ، وإيهام أنه أثّر في حدوثه وحصوله . ويعلم كلّ عاقل أن المجاز لو كان من طريق اللغة ، لجعل ما ليس بالسرور سرورا ، فأمّا الحكم بأنه فعل للخبر ، فلا يجري في وهم أنه يكون من اللغة بسبيل ، فاعرفه .