تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
فإن قال : " النسج فعل معنى ، وهو المضامّة بين أشياء ، وكذلك الصّوغ فعل الصورة في الفضّة ونحوها ، وإذا كان كذلك ، قدّرت أن لفظ الصّوغ مجاز من حيث دلّ على الفعل والتأثير في الوجود ، حقيقة من حيث دلّ على الصّورة ، كما قدّرت أنت في " أحيا اللّه الأرض " ، أنّ " أحيا " من حيث دلّ على معنى فعل حقيقة ، ومن حيث دلّ على الحياة مجاز " . قيل : ليس لك أن تجيء إلى لفظ أمرين ، فتفرّق دلالته وتجعله منقولا عن أصله في أحدهما دون الآخر . لو جاز هذا لجاز أن تقول في اللطم الذي هو ضرب باليد ، أنه يجعل مجازا من حيث هو ضرب ، وحقيقة من حيث هو باليد ، وذلك محال - لأن كون الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب ، فكذلك كون الفعل فعلا للصورة لا ينفصل عن الصورة . وليس الأمر كذلك في قولنا : " أحيا اللّه الأرض " ، لأن معنا هنا لفظين : أحدهما مشتقّ وهو " أحيا " - والآخر : مشتقّ منه وهو " الحياة " ، فنحن نقدّر في المشتقّ أنه نقل عن معناه الأصلي في اللّغة إلى معنى آخر ، ثم اشتقّ منه " أحيا " بعد هذا التقدير ومعه ، وهو مثل أنّ لفظ اليد ينقل إلى النعمة ، ثم يشتقّ منه " يديت " ، فاعرفه . ومما يجب أن تعلم في هذا الباب : أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل . فكلّ حكم يجب في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز ، فهو واجب في إسناد الفعل . فانظر الآن إلى قولك : " أعجبني وشي الربيع الرياض ، وصوغه تبرها ، وحوكه ديباجها " ، هل تعلم لك سبيلا في هذه الإضافات إلى التعليق باللغة ، وأخذ الحكم عليها منها ، أم تعلم امتناع ذلك عليك ؟ وكيف ، والإضافة لا تكون حتى تستقرّ اللغة ، ويستحيل أن يكون للغة حكم في الإضافة ورسم ، حتى يعلم أنّ حقّ الاسم أن يضاف إلى هذا دون ذلك ؟ وإذا عرفت ذلك في هذه المصادر التي هي " الصوغ " و " الوشي " و " الحوك " فضع مصدر فعل الذي - هو عمدتك في سؤالك ، وأصل شبهتك - موضعها وقل : " أما ترى إلى فعل الربيع لهذه المحاسن " ، ثم تأمّل هل تجد فصلا بين إضافته وإضافة تلك ؟ فإذا لم تجد الفصل البتة ، فاعلم صحة قضيّتنا ، وانفض يدك بمسألتك ، ودع النّزاع عنك ، وإلى اللّه تعالى الرغبة في التوفيق .