تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
وهذا موضع لطيف جدّا لا تنتصف منه إلّا باستعانة الطبع عليه ، ولا يمكن توفية الكشف فيه حقّه بالعبارة ، لدقّة مسلكه . ويتصل به أن في " الاستعارة " الصحيحة : ما لا يحسن دخول كلم التشبيه عليه . وذلك إذا قوي التشبّه بين الأصل والفرع ، حتى يتمكن الفرع في النفس بمداخلة ذلك الأصل والاتحاد به ، وكونه إياه . وذلك في نحو " النور " إذا استعير للعلم والإيمان ، و " الظلمة " للكفر والجهل . فهذا النحو لتمكّنه وقوّة شبهه ومتانة سببه ، قد صار كأنه حقيقة ، ولا يحسن لذلك أن تقول في العلم : " كأنه نور " ، وفي الجهل : " كأنه ظلمة " ، ولا تكاد تقول للرجل في هذا الجنس : " كأنّك قد أوقعتني في ظلمة " بل تقول : " أوقعتني في ظلمة " . وكذلك الأكثر على الألسن والأسبق إلى القلوب أن تقول : " فهمت المسألة فانشرح صدري وحصل في قلبي نور " ، ولا تقول : " كأنّ نورا حصل في قلبي " . ولكن إذا تجاوزت هذا النوع إلى نحو قولك : " سللت منه سيفا على الأعداء " ، وجدت " كأن " حسنة هناك كثيرة ، كقولك : " بعثته إلى العدوّ فكأني سللت سيفا " وكذلك في نحو : " زيد أسد " و " كأن زيدا أسد " . وهكذا يتدرج الحكم فيه ، حتى كلّما كان مكان الشبه بين الشيئين أخفى وأغمض وأبعد من العرف ، كان الإتيان بكلمة التشبيه أبين وأحسن وأكثر في الاستعمال . ومما يجب أن تجعله على ذكر منك أبدا ، وفيه البيان الشافي : أنّ بين القسمين تباينا شديدا أعني بين قولك : " زيد أسد " وقولك : " رأيت أسدا " وهو ما قدّمته لك من أنك قد تجد الشيء يصلح في نحو : " زيد أسد " حيث تذكر المشبّه باسمه أوّلا ، ثم تجري اسم المشبّه به عليه ، ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر فيه المشبّه أصلا وتطرحه . ومن الأمثلة البيّنة في ذلك قول أبي تمام " 1 " : [ من الوافر ]
وكان المطل في بدء وعود * دخانا للصّنيعة وهي نار
قد شبّه المطل بالدّخان ، والصنيعة بالنار ، ولكنه صرّح بذكر المشبّه ، وأوقع المشبّه به خبرا عنه ، وهو كلام مستقيم .
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه 135 بلفظ " وكان المدح في عود وبدء " ، والقصيدة في مدح أبي الحسين محمد ابن الهيثم بن شبابة ، راجع الأبيات التي قبله من قوله :رأيت صنائعا معكت فأحست * ذبائح والمطال لها شفار