تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وإذا كان كذلك ، بان أن الاسم في قولك : " زيد أسد " ، مقصود به إيقاع التشبيه في الحال وإيجابه ، وأما في قولك : " عنّت لنا ظبية " و " سللت سيفا على العدوّ " ، فوضع الاسم هكذا انتهازا واقتضابا على المقصود ، وادّعاء أنه من الجنس الذي وضع له الاسم في أصل اللغة . وإذا افترقا هذا الافتراق ، وجب أن نفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة ، كما أنّا نفصل بين الخبر والصفة في العبارة ، لاختلاف الحكم فيهما ، بأنّ الخبر إثبات في الوقت للمعنى ، والصفة تبيين وتوضيح وتخصيص بأمر قد ثبت واستقرّ وعرف . فكما لم نرض لاتفاق الغرض في الخبر الصّفة على الجملة واشتراكهما إذا قلت : " زيد ظريف " و " جاءني زيد الظّريف " ، في التباس زيد في الظرف واكتسائه له ، أن تجعلهما في الوضع الاصطلاحيّ شيئا واحدا ، ولا نفرّق بتسميتنا هذا خبرا وذلك صفة كذلك ينبغي أن لا يدعونا - اتفاق قولنا : " جاءني أسد " و " هززت سيفا صارما " وقولنا : " زيد أسد " و " سيف صارم " ، في مطلق التشبيه - إلى التسوية بينهما ، وترك الفرق من طريق العبارة ، بل وجب أن نفرّق ، فنسمّي ذاك " الاستعارة " وهذا تشبيها " . فإن أبيت إلا أن تطلق الاستعارة على هذا القسم الثاني ، فينبغي أن تعلم أن إطلاقها لا يجوز في كل موضع يحسن دخول حرف التشبيه فيه بسهولة ، وذلك نحو قولك : " هو الأسد " و " هو شمس النهار " و " هو البدر حسنا وبهجة ، والقضيب عطفا " ، وهكذا كل موضع ذكر فيه المشبّه به بلفظ التعريف . فإن قلت : " هو بحر " و " هو ليث " و " وجدته بحرا " ، وأردت أن تقول إنه استعارة ، كنت أعذر وأشبه بأن تكون على جانب من القياس ، ومتشبّثا بطرف من الصواب . وذلك أن الاسم قد خرج بالتنكير عن أن يحسن إدخال حرف التشبيه عليه ، فلو قلت : " هو كأسد " و " هو كبحر " ، كان كلاما نازلا غير مقبول ، كما يكون قولك : " هو كالأسد " ، إلا أنّه وإن كان لا يحسن فيه الكاف فإنه يحسن فيه " كأنّ " كقولك : " كأنه أسد " ، أو ما يجري مجرى " كأنّ " في نحو " تحسبه أسدا " و " تخاله سيفا " . فإن غمض مكان الكاف و " كأن " ، بأن يوصف الاسم الذي فيه التشبيه بصفة لا تكون في ذلك الجنس ، وأمر خاصّ غريب فقيل : " هو بحر من البلاغة " ، و " هو بدر يسكن الأرض " ، و " هو شمس لا تغيب " ، وكقوله " 1 " : [ من الكامل ]
شمس تألّق والفراق غروبها * عنّا ، وبدر والصّدود كسوفه
هامش
( 1 ) البيت للبحتري . راجع الإيضاح بتحقيقنا ص 256 .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 234 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني