تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علل البناء والإعراب — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وإنّما كانت هذه الحال مؤكّدة ؛ لأن الحق لا يكون إلا مصدّقا للحق ، وإنّما جيء بها لشدّة توكيد الحقّ بالتصريح المغني عن الاستنباط والعامل في هذه الحال ما في الجملة من معنى الفعل ، تقديره وهو الثابت مصدّقا وصاحب الحال الضمير في ثابت . فصل : والعامل في الحال ضربان : فعل ومعنى فعل ، فالفعل مثل : أقبل وجاء ونحوهما ، فهذا يجوز فيه تقديم الحال على صاحبها وعلى العامل فيه ؛ لأن العامل قويّ متصرّف والحال كالمفعول . وقال الفرّاء : لا يجوز تقديمها لما يلزم من تقديم الضمير على ما يرجع إليه وهذا ليس بشيء ؛ لأن النيّة به التأخير فيصير كقولهم : في أكفانه لفّ الميت ، ومنه قوله تعالى :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[ طه : 67 ] . وأمّا العامل المعنويّ فكأسماء الإشارة كقولك : هذا زيد قائما ، وإنّما عمل لأن معناه أنبّه ، وأشير إليه في حال قيامه ولا يتقدم الحال على هذا العامل ؛ لأنه غير متصرف والتقديم تصرّف فلا يستفاد بغير متصرّف « 1 » . وأما تقديمها على صاحب الحال فجائز كقولك : هذا قائما زيد ؛ لأنها بعد العامل . فإن قيل : هلّا عملت أسماء الإشارة في المفعول به ؟ قيل : المفعول به غير الفاعل ، فلو عملت فيه أسماء الإشارة بمعناها لعملت فيه جميع الحروف نحو : ( ما ) و ( همزة الاستفهام ) ومعلوم أنّها لا تعمل فيه . والعلّة في ذلك : أنّ معنى الحرف في الاسم ، فلو عمل فيه بمعناه لصار العامل في الاسم المعنى القائم به ولأنّ الحروف نابت عن الجمل ، فلو عملت كانت كالجمل . فأمّا عمل المعنى في الحال فلأنّها تشبه الظرف إذ كانت تقدّر ب ( في ) إلا أنّ الظرف قد يتقدم على العامل المعنويّ بخلاف الحال والفرق بينهما من وجهين : أحدهما : أنّ الحال تشبه المفعول به إذ كانت ظرفا على الحقيقة .
هامش
( 1 ) يعمل في المفعول المطلق أحد ثلاثة عوامل الفعل التام المتصرّف ، نحو " أتقن عملك إتقانا " ، والصفة المشتقّة منه ، نحو " رأيته مسرعا إسراعا عظيما " ، ومصدره ، نحو " فرحت باجتهادك اجتهادا حسنا " ، ومنه قوله تعالى "فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً" .