تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
فإنه لما أتى على التشبيه قبل القافية واحتاج إليها جاء بزيادة حسنة في قوله : لم يثقب ؛ لأن الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون . وكذلك قول زهير بن أبي سلمى :
كأن فتات العهن في كل منزل * نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم « 1 »
فقوله : لم يحطّم في هذا البيت مثل : لم يثقب في البيت الذي قبله . وروى أبو الفرج قدامة بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرّد عن التوّزي ، قال : قلت للأصمعي : من أشعر الناس ؟ فقال : من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا ، أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا ، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى ، قال : نحو من ؟ قال : نحو ذي الرّمّة حيث يقول :
قف العيس في أطلال ميّة فاسأل * رسوما كأخلاق الرداء « 2 »
فتمّ الكلام . ثم قال : المسلسل ، فزاد شيئا ، ثم قال :
أظن الذي يجدي عليك سؤالها * دموعا كتبديد الجمان « 3 »
فتمّ كلامه . ثم قال : المفصل ، فزاد شيئا ، قال : قلت : ونحو من ؟ قال : الأعشى حيث يقول :
كناطح صخرة يوما ليفلقها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل « 4 »
فزاد معنى ، قال : قلت : وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح ؟ قال : لأنه ينحط من أعلى الجبل على قرنيه فلا يضيره « 5 » .
هامش
( 1 ) « ديوان زهير بن أبي سلمى » ص 105 . ( 2 ) « ديوان ذي الرمة » ( ص 225 ) وفي المطبوع صدر البيت : رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل . ( 3 ) « ديوان ذي الرمة » ( ص 226 ) في المطبوع صدر البيت : دموعا كتبذير الجمان المفصّل . ( 4 ) « ديوان الأعشى » ص 134 . ( 5 ) نقد الشعر لقدامة بن جعفر ، ص : 170 .