تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وأما الكلمة التي تقع حشوا غير مؤثرة فأمثلتها كثيرة موجودة في النظم والنثر ، ومنها قول أبي تمام :
جذبت نداه غدوة السبت جذبة * فخرّ صريعا بين أيدي القصائد « 1 »
لأن قوله : ( غدوة السبت ) حشو لا يحتاج إليه ، ولا تقع فائدة بذكره ، ومن ذا الذي يؤثر أن يعلم اليوم الذي أعطى الممدوح فيه أبا تمام ؟ وأي فرق بين أن يقع عطاء في يوم السبت أو الأحد أو غيرهما من الأيام ؟ وما بقي عليه شيء إلا أن يخبر بتاريخ ذلك الوقت ، وموضع ذلك اليوم من الشهر . فمثل هذا وأشباهه الحشو الذي يقع ولا تعرض في ذكره فائدة إلا ليصح الوزن ، وهو عيب فاحش في هذه الصناعة ، وما أكثر ما تستعمل : أمسى وأصبح وأخواتها ؛ في هذا الموضع من الحشو ، ويجب أن تعتبر ذلك بأن تنظر الفائدة فيه ، فإن كان الأمر الذي ذكر أنه أصبح فيه لم يكن أمسى فيه فالفائدة حاصلة ، وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو حشو لا يحتاج إليه ، فاعتبار الفائدة فيه هو الأصل الذي يرجع إليه ، ويعول على النظر من جهته ، ومثال ذلك أن يقال : أصبحنا مغيرين على بني فلان ؛ فإن موقع - أصبحنا - في هذا الموضع موقع صحيح ، لأنهم لم يكونوا أغاروا عليهم في وقت المساء ، ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى :
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ
[ الأعراف : 78 ] . لأن الأمر لم يطرقهم إلا ليلا ، فأمّا لو قال قائل : أصبح العسل حلوا ، لكان قوله : أصبح حشوا ، لأنه قد أمسى كذلك ، ويدل على صحة هذا واعتبار العلماء له ما ذكره أبو الحسن علي بن عيسى الرّماني في كتابه المعروف ب « الجامع في علم القرآن » ، فإنه قال في قوله تعالى :
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ
[ المائدة : 53 ] .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 139 .