تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الممتع في التصريف — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
يقدّمه الذي يريد أن يتوصّل إلى علم شيء ، من الأدلّة ، بمنزلة الدّريّة التي يتوصّل بها إلى ختل الصيد وخدعه ، فأمّا قول بعضهم :
* لا همّ ، لا أدري ، وأنت الدّاري * « 1 »
فغير معرّج عليه ، ولا مأخوذ به ، ووجهه أنه أجراه مجرى « عالم » ، ولم يلتفت إلى أصله . ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات في حقّ اللّه تعالى . والذي يدلّ على غموضه كثرة ما يوجد من السّقطات فيه لجلّة العلماء ؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد ، من أنه قال في « مندوحة » من قولك : « مالي عنه مندوحة » أي متّسع : إنها مشتقّة من « انداح » ، وذلك فاسد لأنّ « انداح » : « انفعل » ونونه زائدة ، و « مندوحة » : « مفعولة » ونونه أصليّة ؛ إذ لو كانت زائدة لكانت « منفعلة » ، وهو بناء لم يثبت في كلامهم ، فهو على هذا ، مشتق من « النّدح » ، وهو جانب الجبل وطرفه ، وهو إلى السّعة . ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب ، من أنه جعل « أسكفّة الباب » « 2 » من « استكفّ » أي : اجتمع ، وذلك فاسد ؛ لأنّ « استكفّ » : « استفعل » وسينه زائدة ، و « أسكفّة » : « أفعلّة » وسينه أصلية ؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه « أسفعلة » ، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم . وكذلك أيضا حكي عنه أنه قال في « تنّور » : إنّ وزنه « تفعول » من النّار . وذلك باطل ؛ إذ لو كان كذلك لكان تنوورا ، والصواب أنه « فعّول » من تركيب تاء ونون وراء ، نحو تنر ، وإن لم ينطق به . وقد حكي عن غيرهما ، من رؤساء النحويّين واللغويّين ، من السّقطات نحو ممّا ذكرنا ، إلّا أني قصدت إلى الاختصار ، وفي هذا القدر الذي أوردناه كفاية . وقد كان ينبغي أن يقدّم علم التصريف على غيره ، من علوم العربيّة ، إذ هو معرفة ذوات الكلم ، في أنفسها ، من غير تركيب ، ومعرفة الشيء في نفسه ، قبل أن يتركّب ، ينبغي أن تكون مقدّمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب ، إلّا أنه أخّر ، للطفه ودقّته ، فجعل ما قدّم عليه من ذكر العوامل توطئة له ، حتى لا يصل إليه الطالب ، إلّا وهو قد تدرّب ، وارتاض للقياس .
هامش
( 1 ) الرجز للعجاج في لسان العرب ، لابن منظور مادة ( لهم ) ، والفرق للعسكري ص 99 . ( 2 ) أسكفة الباب : هي خشبته التي يوطأ عليها . انظر لسان العرب لابن منظور ، مادة ( سكف ) .