تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر صناعة الإعراب — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وإنما غرضه تصوير هذه الحروف منفردة غير مركبة ، وأن ينطق بها ليذاق جرسها ، وأول كل حرف من اسم كل واحد من هذه الحروف الحرف المقصود . ألا ترى أن أول قولنا « قاف » قاف ، وأول قولنا « طاء » طاء ، وأول قولنا « جيم » جيم ، فلما كانت الألف التي هي مدة ساكنة لا يمكن الابتداء بها ، وتذاق الألف ساكنة على جنسها ، فقالوا : ( و ، لا ي ) فقولنا « لا » كقولنا « ما » و « ها » في التنبيه ، و « يا » في النداء ، و « وا » في الندابة . فإن قال قائل : فإذا كان الأمر كذلك فلم خصّت اللام بالابتداء في هذا الموضع دون غيرها من سائر الحروف ؟ فالجواب : أن واضع حروف المعجم أجرى هنا الخط على مذهب اللفظ ، وقفا في ذلك سنة العرب ، وذلك أنه رأى العرب لما أرادت النطق بلام المعرفة وهي ساكنة مبتدأة توصلت إلى ذلك بأن ألحقتها الألف المتحركة ليقع الابتداء بها ، وذلك قولهم : الغلام ، والجارية ، فكما أدخلوا الألف المتحركة في هذا ونحوه ليقع الابتداء بها ، كذلك أدخل واضع الحروف اللام المتحركة على الألف الساكنة لمّا لم يمكن الابتداء بها ، فقال « لا » فهذا هنا كذلك ثمّة . فإن قال قائل : فإن أصل حركة الحرف المدخل للابتداء به إنما هو الكسر ، نحو : اذهب ، انطلق ، امش ، استخرج ، اقتطع ، ولا تضمّ هذه الهمزة إلا إذا كان ثالثها مضموما ، نحو : اقتل ، انقطع بزيد . فهلا إذا كان الأمر كذلك أدخلت اللام على الألف مكسورة كما كسرت الهمزة في الأمر الشائع المطرد على ما ذكرناه آنفا ؟ فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن اللام في قولنا « لا » إنما هي مشبّهة بالهمزة اللاحقة للام المعرفة ، نحو الغلام والجارية ، وتلك الهمزة أبدا مفتوحة ، فكذلك فتحت لام « لا » . والوجه الآخر : أنهم لو جاءوا باللام مكسورة كالعادة في ما أدخل للابتداء به في غالب الأمر ، لوجب قلب الألف ياء لانكسار اللام قبلها ، فكان يلزم أن يقال « لي » فيصار إلى لفظ الياء ، وليس إلى هذا قصد الواضع للحروف .