فلما كان الأول في تقدير المصدر ، والمصدر اسم ، لم يسغ " 1 " عطف الفعل بعده عليه ، لأن الفعل لا يعطف على الاسم ، فإذا أضمرت أن قبل الفعل ، صارا معا في تقدير المصدر ، والمصدر اسم ، فلذلك جاز عطف اسم على اسم .
فإن قيل : ولم قدّر في أول الكلام مصدر ، حتى اضطرّوا إلى إضمار " أن " ، ثم عطفوا المصدر المنعقد للمعنى بأن والفعل جميعا ، على المصدر الذي قبله ؟
فالجواب : أنهم إنما فعلوا ذلك لمخالفة الفعل الثاني للفعل الأول في المعنى ، وذلك أنك إذا قلت : ما تزورني فتحدّثني ، فلم ترد أن تنفيهما جميعا ، ولو أردت ذلك ، لرفعت الفعلين جميعا ، ولكنك تريد : ما تزورني محدّثا ، أي قد تزورني ولكنك إذا زرتني لم تحدثني ، فأنت الآن قد أثبتّ الزيارة ، ونفيت الحديث ، فلما اختلف الفعلان ، ولم يجز العطف على ظاهر الفعل الأوّل ، لاختلاف المعنيين ؛ اضطروا إلى العدول عن ظاهر لفظ الفعل الأوّل ، وأضمروا مصدره ، وكان ذلك مستقيما سائغا ، لدلالة الفعل الأوّل على مصدره ، فلما تخيلوا في الفعل الأول معنى المصدر ، عطفوا الثاني عليه ، فاضطروا إلى إضمار " أن " لما ذكرت لك .
ويجوز لك أيضا إذا قلت : ما تزورني فتحدثني ، فنصبت الثاني ، أن يكون المعنى غير معنى : ما تزورني إلا لم تحدثني .
وذلك أنه يجوز أن يكون المعنى : ما تزورني ، فكيف تحدثني ؟ فهذا أيضا معنى ما تزورني محدّثا ، لأنّ معناه : لو زرتني لحدثتني ، فأنت الآن ناف للزيارة ، ومعلم أن الزيارة لو كانت لكان الحديث عنها . فهذا أيضا معنى غير معنى رفع " فتحدّثني " .
فهذا مجيء الفعل بعد الفعل .
وأما مجيئه بعد غير الفعل فهو أسهل في اعتقاد المصدر في أول الكلام ، لأنه ليس هناك فعل يجوز عطف هذا الفعل المتأخر عليه ، وذلك قولك : أين بيتك فأزورك ؟
ألا ترى أنّ أين بيتك ، ليس بفعل ، فيعطف عليه أزورك ، فهذا أظهر أمرا ، فحمل هذا أيضا على المعنى ، لأن معناه : ليكن تعريف منك ، فزيارة مني ، لأن معنى أين بيتك ؟ عرّفني بيتك ، فجاز تقدير التعريف لذلك .
هامش
( 1 ) يسغ : يجز . تقول : ساغ له ما فعل أي جاز له ذلك . اللسان ( 3 / 2152 ) .