« الغلو » ، فقد تناوله في كتابه العمدة من جوانب متعددة ألّم فيها ببعض آراء سابقيه ومعاصريه وعلق عليها بما عنّ له شخصيا من آراء وأفكار .
فهو أولا يعارض من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو ، ولا يرى ذلك إلا محالا ، لمخالفته الحقيقة وخروجه عن الواجب والمتعارف .
وهو يوافق الحذاق القائلين : « خير الكلام الحقائق ، فإن لم تكن فما قاربها وناسبها ، وأنشد المبرد قول الأعشى :
فلو أن ما أبقين مني معلقا * بعود ثمام ما تأوّد عودها
فقال : هذا متجاوز ، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذ شبّه ، وأحسن منه ما أصاب الحقيقة فيه » .
وأصح الكلام عند ابن رشيق ما قام عليه الدليل ، وثبت فيه الشاهد من كتاب اللّه ، فقد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق ، فقال جلّ من قائل :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ .
كما أتى على تعريف قدامة « للغلو » وهو : تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه ، وليس خارجا عن طباعه . وعلى هذا تأويل أصحاب التفسير قوله تعالى :
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ،
أي : كادت . . .
كذلك أورد رأي القاضي الجرجاني « 1 » في الإفراط ، وخلاصته أن الإفراط مذهب عام في المحدثين وموجود كذلك لدى الأوائل ، وأن الناس مختلفون فيه : من مستحسن قابل ، ومستقبح راد ، وأن له رسوما متى وقف الشاعر عندها ، ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم ، ومتى تجاوزها اتسعت له
هامش
( 1 ) هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الشهير بالقاضي الجرجاني المتوفى سنة 366 ه ، وصاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه .