ولهذا المعنى نظر الشاعر في البيت السابق ، فهو يريد أن يقول : لو كان ما به من الحب بجمل لأصابه النحول والضمور والهزال إلى حد يمكّنه من الدخول في سم الخياط ، ولو تحقق دخول الجمل في سم الخياط لما بقي في النار كافر لزوال المانع لهم من دخول الجنة .
ودخول الجمل في سم الخياط لا يستحيل عقلا إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة . فإن اللّه جلّت قدرته إذا شاء وسّع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل ، وإذا شاء رقق الجمل حتى يصير كالخيط الرفيع فيدخل في سم الخياط . ومن ذلك يتبين أن الأمر غير مستحيل عقلا لكنه ممتنع عادة ، وهذا غاية في الإغراق .
* * * ومما استشهدوا به على الإغراق بغير أداة من أدوات التقريب قول امرئ القيس في وصف أنفاس صاحبته عند النهوض من النوم :
كأن المدام وصوب الغمام * وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها . . . * إذا غرد الطائر المستحر « 1 »
فامرؤ القيس يصف طيب رائحة فم صاحبته سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم بأنه شبيه بطيب الرائحة المنبعثة من روائح الخمر المشوبة بالماء النقي والخزامى والبخور مجتمعة . فإذا كانت هذه رائحة ثغرها عند نهوضها مبكرة من النوم ، فكيف تظن رائحة ثغرها في هوادي الليل
هامش
( 1 ) المدام : الخمر يدام على شربها أو التي أديمت في دنها ، وصوب الغمام : مطر السحاب ، وريح الخزامى : رائحة هذا النبت الطيب الريح ، ونشر القطر بضم القاف والطاء :
رائحة العود الذي يتبخر به ، يعل به برد أنيابها : يسقى به ثناياها الباردة مرة بعد مرة ، الطائر المستحر : المصوت في وقت السحر .