تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أو مبينا بالمشبه صريحا ، أو ضمنا كقوله " 1 " تعالى :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
" 2 " ، فقد بيّن الخيط الأبيض بالفجر صريحا ، وفي ضمنه تبيين الخيط الأسود بالليل ، فكل هذا تشبيه محذوف الأداة . قال الإمام عبد القاهر في بيان هذا : إذا دلت القرينة على تشبيه شيء ، فهذا على ضربين : 1 - أحدهما أن يسقط ذكر المشبه من البين حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته ، كقولك : عنت لنا ظبية ، وأنت تريد امرأة ، ووردنا بحرا ، وأنت تريد الممدوح ، وهذا تقول : إنه استعارة ولا تتحاشى البتة . 2 - أن يكون المشبه مذكورا أو مقدرا ، وحينئذ فالمشبه به إن كان خبرا أو في حكم الخبر ، فالوجه أن يسمى تشبيها ولا يسمى استعارة ، لأن الاسم إذا وقع هذه المواقع كان الكلام موضوعا لإثبات معناه لما يعتمد عليه ، أو نفيه عنه فإذا قلت : زيد أسد ، فقد وضعت كلامك في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد ، وإذا امتنع إثبات ذلك له على الحقيقة كان لإثبات شبه من الأسد له ، فيكون اجتلابه لإثبات التشبيه ، فيكون خليقا بأن يسمى تشبيها إذا كان إنما جاء ليفيده ، بخلاف الحالة الأولى ، فإن الاسم فيها لم يجتلب لإثبات معناه للشيء ، كما إذا قلت : جاءني أسد ، ورأيت أسدا ، فإن الكلام في ذلك موضوع لإثبات المجيء واقعا من الأسد والرؤية واقعا منك عليه لا لإثبات معنى الأسد لشيء ، فلم يكن ذكر المشبه به لإثبات التشبيه وصار قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعلم إلا بعد الرجوع إلى شيء من النظر والتأمل . ( إذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن نسمي إحداهما تشبيها ، والأخرى استعارة ) .
هامش
( 1 ) وقول بعضهم :فما زلت في ليلين شعر وظلمة * وشمسين من خمر ووجه حبيبوقول شوقي :ودخلت في ليلين فرعك والدجي * ولثمت كالصبح المنور فاك( 2 ) سورة البقرة الآية 187 .