تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
يا من حكى الماء فرط رقته * وقلبه في قساوة الحجر يا ليت حظي كحظ ثوبك من * جسمك يا واحدا من البشر لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زرّ أزراره على القمر " 1 "
فلو لا أن ابن العميد ادعى لغلامه معنى الشمس الحقيقي لما كان لهذا التعجب وجه ، إذ ليس ببدع ولا منكر أن يظلل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهج الشمس بشخصه ، ولولا أن أبا الحسن جعل صاحبه قمرا حقيقيا لما كان للنهي عن التعجب معنى لأن الكتان إنما يسرع اليه البلى حين يلابس القمر الحقيقي لا إنسانا بلغ الغاية في الحسن . وأنت إذا أنعمت النظر رأيت حجة الجمهور دامغة وأنها أحرى بالقبول ، بيان هذا أن ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لا يخرجه عن كونه مستعملا في غير ما وضع له ، وأما صحة التعجب والنهي عنه فلبناء الاستعارة على تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه به عين المشبه حتى تتم المبالغة ، إذ من الواضح أن أسدا في قولك : رأيت أسدا ، مستعمل في الشجاع ، والمعنى الموضوع له الأسد الحقيقي لا الادعائي ، فكأنك ادعيت أن للأسد صورتين ، إحداهما متعارفة وهي التي لها الإقدام والبطش في الهيئة المعروفة للحيوان المعروف ، وثانيتهما غير متعارفة وهي التي لها الجرأة والقوة ، لكن لا مع تلك الصورة ، بل مع صورة أخرى على النحو الذي ادعاه المتنبي في عد نفسه وجماعته من جنس الجن ، وعد جماله من جنس الطير حين يقول :
نحن ركب ملجن في زي ناس * فوق طير لها شخوص الجمال
مستشهدا لدعواه بما يتخيل عرفا من نحو حكمهم إذا رأوا إنسانا لا يقاومه أحد ، إنه ليس بإنسان ، وإنما هو أسد ، أو هو أسد في صورة إنسان . والقرينة التي تنصب في الكلام تنفي المتعارف الذي يسبق إلى الفهم ، وهو المعنى الأول ، وتعين ما أنت تستعمل له الأسد ، وهو ثاني المعنيين .
هامش
( 1 ) البلى من بلى الثوب وقدم ، والغلالة ثوب صغير صبق الكمين كالقميص ، وزررت القميص عليه شددت أزراره ، وقد قيل : إن هذا تشبيه لا استعارة ، لأن المشبه مذكور ، وهو الضمير في : غلالته ، وأزراره .
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 264 | أحمد مصطفى المراغي