يعجب الناس من الحلى والآنية ، وكالنحل وجدت ثمرات أخرجها اللّه طيبة وسلكت سبلا جعلها اللّه ذللا فصار ذلك شفاء وطعاما وشرابا منسوبا إليها مذكورا به أمرها وصنعتها . فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع ، فإنه إنما اجتباه كما وصفنا » « 1 »
وأخذ البلاغيون هذا الكلام وأداروه في كتاباتهم من غير أن يشيروا إلى ابن المقفع فقال الجاحظ ( - ه ) : « فإنما الشعر صناعة ، وضرب من النسج ، وجنس من التصوير » « 2 » ، وتحدث عن النظم في كتبه وسمّى أحدها « نظم القرآن » ، قال : « كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه » « 3 » . وقال : « وفي كتابنا المنزل الذي يدلّ على أنّه صدق ، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به » « 4 » . والجاحظ في هذين النصين وغيرهما يؤمن بأنّ القرآن الكريم معجز بنظمه وما فيه من بلاغة تأسر القلوب .
وكان لمسألة إعجاز القرآن أثر في بلورة فكرة النظم ، وقد ذهب قوم من المتكلمين إلى أن وجه الاعجاز هو ما اشتمل عليه القرآن من النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم في مطالعه ومقاطعه وفواصله . وذهبت جماعة منهم إلى أن وجه الاعجاز في مجموع الأمرين : النظم ، وكونه في أعلى درجات البلاغة .
ولأبى عبد اللّه محمد بن يزيد الواسطي ( - ه ) كتاب في إعجاز القرآن سماه « إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه » ، ولا نعرف عنه شيئا مع أنّ عبد القاهر الجرجاني شرحه مرتين ، لأنّ الأصل وشرحيه لم تصل وإن كان العنوان يدل على أنّه عالج مسألة النظم وأقام عليها إعجاز كتاب اللّه .
هامش
( 1 ) الأدب الصغير - آثار ابن المقفع ص 319 ، ورسائل البلغاء ص 5 - 6 .
( 2 ) الحيوان ج 3 ص 132 .
( 3 ) الحيوان ج 1 ص 9 .
( 4 ) الحيوان ج 4 ص 90 .