وللبلاغة طرفان : أعلى وأسفل متباينان تباينا لا يتراءى لأحد ناراهما وبينهما مراتب متفاوتة تكاد تفوت الحصر ، فمن الأسفل تبتدئ البلاغة ، وهو القدر الذي إذا نقص منه شئ التحق ذلك الكلام بأصوات الحيوانات ثم تأخذ في التزايد متصاعدة إلى أن تبلغ حد الإعجاز ، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه .
ولم يعرّف الفصاحة واكتفى بتقسيمها إلى قسمين : قسم راجع إلى المعنى ، وقسم راجع إلى اللفظ ، ولم يجعلها لازمة للبلاغة التي حصر مرجعيها في المعاني والبيان . وقد أشار القزويني إلى ذلك بقوله : « وجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة ، وحصر مرجع البلاغة في الفنين ، ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشئ منهما » « 1 » . وقال التفتازاني : « لم يجعل البلاغة مستلزمة للفصاحة ، وحصر مرجعها في المعاني والبيان دون اللغة والصرف والنحو » « 2 » ، ورأى أنّ مرجعها إلى هذه العلوم جميعا لا إلى مجرد المعاني والبيان .
ولكن السكاكى - مع ذلك كله - رأى أنّ البلاغة بمرجعيها والفصاحة بنوعيها « مما يكسو الكلام حلة التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين » « 3 » ولذلك نراه حينما حلل بعض الآيات القرآنية اتخذ من مرجعي البلاغة ومن الفصاحة مقياسا لإظهار ما فيها من صور بيانية ومن روعة وتأثير في النفوس .
القزويني :
وكان الخطيب القزويني ( - ه ) آخر من وقف عند البلاغة من المتأخرين وميز بين بلاغة الكلام وبلاغة المتكلم فقال عن الأولى : « وأما بلاغة الكلام فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته » ومقتضى الحال مختلف ومقامات الكلام متفاوتة ، فمقام التنكير يباين مقام التعريف ، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد ، ومقام التقديم يباين مقام التأخير ، ومقام الذكر
هامش
( 1 ) الإيضاح ص 249 .
( 2 ) المطول ص 3 .
( 3 ) مفتاح العلوم ص 200 .