لقد حاول القدماء أن يضعوا سمات يستدل بها المتكلم أو الكاتب ، وقالوا إنّ توجيه الخطاب بالجملة الاسمية ينقدح فيه معنيان :
الأول : أن تريد أنّ الفاعل قد فعل ذلك الفعل على جهة الاختصاص به دون غيره ، كقوله تعالى :
« وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى . وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا »
« 1 » فصدر الجملة بالضمير دلالة على اختصاصه تعالى بالإماتة والإحياء والإضحاك والإبكاء ، وإنما أورد الضمير وصيّر الجملة اسمية تكذيبا وردّا وانكارا لمن زعم أنه مشارك للّه تعالى في هذه الخصال .
الثاني : التحقق وتمكين المعنى في نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب ، كقوله تعالى :
« وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ »
« 2 » فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة ب « إنّ » المشددة ، وإنّما كان الأمر كذلك لأنّهم في خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادي في الجحود والإنكار ، فلهذا وجهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين فإنما كان عن تكلف وإظهار للايمان خوفا ومداجاة من غير عزم عليه ولا شرح صدرهم به .
أما توجيه الخطاب بالجملة الفعلية فيراد به الإخبار بمطلق العمل مقرونا بالزمان من غير أن يكون هناك مبالغة وتوكيد ، كقوله تعالى :
« وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ »
« 3 » وقوله :
« نَزَّلَ الْكِتابَ »
« 4 » ، فالغرض الإخبار بهاتين الجملتين بالفعل الماضي في غير إشعار بمبالغة هناك ، ولمّا أراد المبالغة في الجملة الأولى قال في آخرها :
« فَهُمْ يُوزَعُونَ »
« 5 » وقال في الثانية :
« وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ »
، فإتيانه بالجملتين الاسميتين من آخر الجملتين السابقتين المصدرتين بالفعلين دلالة على المبالغة والتأكيد في المقصود وهو
هامش
( 1 ) النجم 43 - 44 .
( 2 ) البقرة 14 .
( 3 ) النمل 17 .
( 4 ) الأعراف 196 .
( 5 ) النمل 17 . يوزعون : يكفون ويحبسون .