تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ولكنّ الخبر كثيرا ما يخرج على خلاف مقتضى الظاهر ، يقول السكاكى « هذا ثم إنّك ترى المفلقين السحرة في هذا الفن ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيرا » « 1 » . ومن ذلك : - أن ينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر فيستشرف له استشراف المتردد الطالب ، كقوله تعالى :
« وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ »
« 2 » ، وقوله :
« وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »
« 3 » . قال القزويني : « وسلوك هذه الطريقة شعبة من البلاغة فيها دقة وغموض ، وروى عن الأصمعي أنّه قال : كان أبو عمرو بن العلاء وخلف الأحمر يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان : يا أبا معاذ ما أحدثت ؟ فيخبرهما وينشدهما ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان ، فأتياه يوما فقالا : ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة ؟ قال هي التي بلغتكما . قالا : بلغنا أنّك أكثرت فيها من الغريب . قال : نعم ، إنّ ابن قتيبة يتباصر بالغريب ، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف . قالا : فأنشدناها يا أبا معاذ ، فأنشدهما :
بكّرا صاحبىّ قبل الهجير * إنّ ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها ، فقال له خلف : لو قلت يا أبا معاذ مكان « إنّ ذاك النجاح » : « بكّرا فالنجاح » كان أحسن . فقال بشار : إنّما بنيتها أعرابية وحشية ، فقلت : « إنّ ذاك النجاح » كما يقول الأعراب البدويون ، ولو قلت : « بكّرا فالنجاح » كان هذا من كلام المولدين ، ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة . فقام خلف فقبّل بين عينيه .
هامش
( 1 ) مفتاح العلوم ص 82 ، وينظر الإيضاح ص 19 . ( 2 ) هود 37 . ( 3 ) يوسف 52 .
أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني ) — صفحة 101 | أحمد مطلوب