تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
« ما تركنا » موصول بمعنى الذي محلّه رفع بالابتداء ، و « تركنا » صلته ، والعائد محذوف : أي تركناه ، و « صدقة » خبر ما هذه على رواية الرفع ، وهو أجود ؛ لموافقته لرواية « ما تركنا [ ه ] فهو صدقة » وأما النصب فتقديره : ما تركنا مبذول صدقة ، فحذف الخبر لسد الحال مسدّه مثل
وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
« 1 » ، ويجوز في « ما » أن تكون موصولا اسميّا كما تقدم ، وأن تكون شرطية ؛ فما على الأول في محل رفع ، وعلى الثاني في محل نصب « 2 » ، والمعنى : أي شيء تركناه فهو صدقة . ويكون المنصوب على الاختصاص بلفظ « أي » فيلزمها في هذا الباب ما يلزمها
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 14 . والتنظير بهذه الآية الكريمة على قراءة نصب « عصبة » على أنه حال ، وخبر المبتدأ - الذي هو نحن - محذوف ، وأصل الكلام : ونحن نرى عصبة ، فأما على القراءة المشهورة برفع « عصبة » فنحن مبتدأ خبره « عصبة » ولا كلام لنا فيها الآن ، ومثل الآية في قراءة النصب قولهم : حكمك لك مسمطا ، ومعناه : حكمك لك مثبتا ، فمسمطا : حال ، والخبر محذوف ، والتقدير : حكمك حاصل لك حال كونه مثبتا . ( 2 ) اعلم أنك إذا رويت الحديث هكذا « ما تركناه فهو صدقة » جاز لك وجهان في « ما » أحدهما : أن تكون موصولا اسميّا بمعنى الذي مبتدأ وجملة « تركناه » صلة لا محل لها من الإعراب ، وجملة « فهو صدقة » من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو « ما » الموصولة ، واقتران خبر المبتدأ بالفاء على هذا الوجه جائز ، لشبه الموصول بالشرط ، فأنت تقول « الذي يؤدي واجبه فله عندي مكافأة سنية » بدون أن تجد في ذلك حرجا ، والوجه الثاني : أن تكون ما اسم شرط ، وتركناه فعل الشرط وفاعله ومفعوله ، وجملة « فهو صدقة » في محل جزم جواب الشرط ، واقتران هذه الجملة بالفاء على هذا الوجه واجب ، لأن جواب الشرط إذا كان جملة اسمية وجب أن تقترن بالفاء ، وحينئذ يكون قول المؤلف « فما على الأول في محل رفع ، وعلى الثاني في محل نصب » ليس مستقيما ، لأن ما على الوجهين في محل رفع ، أما على اعتبارها موصولا اسميّا فظاهر ، وأما على اعتبارها شرطية فلأن فعل الشرط إذا كان متعديا واستوفى مفعوله كانت ما في محل رفع بالابتداء ، وإذا كان فعل الشرط متعديا ولم يستوف مفعوله فإن ما تكون مفعولا به مقدما لهذا الفعل ، فلو أنك رويت الحديث هكذا « ما تركنا فهو صدقة » لكان كلام المؤلف مستقيما : إن جعلت « ما » موصولا اسميّا بمعنى الذي فهو في محل رفع مبتدأ ، وإن جعلتها اسم شرط فهو في محل نصب مفعول به تقدم على عامله ، والذي وجدناه في جميع النسخ هو إثبات الهاء هكذا « ما تركناه فهو صدقة » ونحن نعتقد أن هذه الهاء زيادة من المتأخرين على المؤلف ممن وقع الكتاب بأيديهم ؛ لأنهم ظنوا أنها ضرورية لتمام استدلال المؤلف على أنه رأى كون « ما » موصولا اسميّا مبتدأ صلته « تركنا » و « صدقة » خبره ، وذلك على الرواية الأولى التي هي « ما تركناه صدقة » أجود ، مع أننا نقرر أن الهاء لا تلزم لكي يتم هذا الاستدلال ، وبيان ذلك أنه يريد أن يقول ، إن جعل صدقة مرفوعا على أنه خبر ما أجود وأقوى لأنه يوافق الرواية الأخرى التي هي « فهو صدقة » إذ يلزم أن يكون قوله « فهو صدقة » خبرا إذا قدرت ما موصولا اسميّا ، ولا يجوز جعل « فهو صدقة » حالا ، فالغرض إنما هو نفي أن يكون صدقة حالا ، لأن جملة الحال لا تقترن بالفاء ، فتنبه لهذا فإنه مما لا ينبغي الإعراض عنه .