تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وأما " لو " فهي للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط ، فيلزم انتفاء الجزاء ، كانتفاء الإكرام في قولك : " لو جئتني لأكرمتك " ولذلك قيل : هي امتناع الشيء لامتناع غيره . ويلزم كون جملتيها فعليتين ، وكون الفعل ماضيا ؛ فدخولها على المضارع في نحو قوله تعالى :
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
[ الحجرات : الآية 7 ] لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا ، كما في قوله تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : الآية 15 ] بعد قوله :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[ البقرة : الآية 14 ] ، وفي قوله تعالى :
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
[ البقرة : الآية 79 ] ودخولها عليه في نحو قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ السّجدة : الآية 12 ] ، وقوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ سبأ : الآية 31 ] لتنزيله منزلة الماضي ؛ لصدوره عمن لا خلاف في إخباره ، كما نزل " يودّ " منزلة " ودت " في قوله تعالى :
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الحجر : الآية 2 ] ويجوز أن يردّ الغرض من لفظ " ترى " و " يودّ " إلى استحضار صورة رؤية المجرمين ناكسي الرؤوس قائلين لما يقولون ، وصورة رؤية الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات ، وصورة ودادة الكافرين لو أسلموا ، كما في قوله تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ فاطر : الآية 9 ] ، إذ قال :
فَتُثِيرُ سَحاباً
[ فاطر : الآية 9 ] استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب مسخّرا بين السماء والأرض ، تبدو في الأول كأنها قطع قطن مندوف ، ثم تتضامّ متقلّبة بين أطوار حتى يعدن ركاما ، وكقول تأبّط شرا : [ ثابت بن جابر ]
ألا من مبلغ فتيان فهم * بما لاقيت عند رحا بطان " 1 " بأنّي قد لقيت الغول تهوي * بسهب كالصحيفة صحصحان فقلت لها : كلانا نضو أرض * أخو سفر ، فخلّي لي مكاني فشدّت شدّة نحوي ، فأهوت * لها كفّي بمصقول يماني فأضربها بلا دهش ، فخرّت * صريعا لليدين وللجران
إذ قال : " فأضربها " ليصور لقومه الحالة التي تشجّع فيها على ضرب الغول ، كأنه يبصّرهم إيّاها ، ويتطلّب منهم مشاهدتها ؛ تعجيبا من جراءته على كل هول ، وثباته عند كل شدة ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ
هامش
( 1 ) الأبيات من الوافر ، وتنسب أيضا لأبي الغول الطهوي .