تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
واعلم أن الفعل المبنيّ للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير ، إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة ؛ لما يشعر بذلك تعريفه كما سبق . وذلك قد يكون ظاهرا ، كما في قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة : الآية 16 ] فما ربحوا في تجارتهم . وقد يكون خفيا ، لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل ، كما في قولك : " سرّتني رؤيتك " أي : سرني اللّه وقت رؤيتك ، كما تقول : " أصل الحكم في أنبت الربيع البقل " أنبت اللّه البقل وقت الربيع ، وفي " شفى الطبيب المريض " شفى اللّه المريض عند علاج الطبيب ، وكما في قولك : " أقدمني بلدك حقّ لي على فلان " أي : أقدمتني نفسي بلدك لأجل حقّ لي على فلان ، أي : قدمت لذلك ، ونظيره " محبتك جاءت بي إليك " أي : جاءت بي نفسي إليك لمحبتك ، أي : جئتك لمحبتك ، وإنما قلنا : " إن الحكم فيهما مجاز " لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي ، والداعي لا يكون فاعلا ، وكما في قول الشاعر :
وصيّرني هواك ، وبي * لحيني يضرب المثل " 1 "
أي : وصيرني اللّه لهواك وحالي هذه ، أي أهلكني اللّه ابتلاء ، بسبب هواك . وكما في قول الآخر وهو أبو نواس :
يزيدك وجهه حسنا * إذا ما زدته نظرا " 2 "
أي يزيدك وجهه حسنا في وجهه - لما أودعه من دقائق الجمال - متى تأمّلت . وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام ، وقال : الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية ، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه - على ما عليه مبنى الاستعارة ، كما سيأتي - وجعل نسبة الإثبات إليه قرينة للاستعارة ، وبجعل الأمير المدبّر لأسباب هزيمة العدوّ استعارة بالكناية عن الجند الهازم ، وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة . وفيما ذهب إليه نظر ، لأنه يستلزم أن يكون المراد ب " عيشة " في قوله تعالى :
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 21 ) [ الحاقّة : الآية 21 ] صاحب العيشة ، لا العيشة ، وب " ماء " في قوله تعالى :
خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
( 6 ) [ الطّارق : الآية 6 ] فاعل الدفق ، لا المنيّ ؛ لما سيأتي من تفسيره للاستعارة بالكناية .
هامش
( 1 ) البيت لابن البواب علي بن هلال الكاتب في دلائل الإعجاز ص 91 ، ولمحمد بن أبي محمد اليزيدي في الأغاني 20 / 256 . ( 2 ) البيت من مجزوء الوافر ، وهو بلا نسبة في نهاية الإيجاز ص 177 .