تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ألم تك في يمنى يديك جعلتني ؟ * فلا تجعلنّي بعدها في شمالكا " 1 "
أي : كنت مكرما عندك ؛ فلا تجعلني مهانا ، وكنت في المكان الشريف منك ، فلا تحطّني في المنزل الوضيع . وكذا إذا قلت للمخلوق : " والأمر بيدك " أردت المثل ، أي : الأمر كالشئ يحصل في يدك ؛ فلا يمتنع عليك . وكذا قوله تعالى :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
[ الأعراف : الآية 154 ] قال الزمخشري : كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ، ويقول له : " قل لقومك كذا ، وألق الألواح ، وجرّ برأس أخيل إليك " فترك النطق بذلك ، وقطع الإغراء ، ولم يستحسن هذه الكلمة ، ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم ، وذوق صحيح إلا لذلك ، ولأنه من قبيل شعب البلاغة ، وإلا فما لقراءة معاوية بن قرّة : " ولما سكن عن موسى الغضب " لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزّة وطرفا من تلك الروعة . وأما قولهم : " اعتصمت بحبله " فقال الزمخشري أيضا يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ، ووثوقه بحمايته ، باستمساك المتدلي من مكان مرتفع ، بحبل وثيق يأمن انقطاعه ، وأن يكون الحبل استعارة لعهده ، والاعتصام لوثوقه بالعهد أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه . وكذلك قول الشماخ :
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين " 2 "
الشبه فيه مأخوذ من مجموع التلقّي واليمين ، على حد قولهم : تلقّيته بكلتا اليدين ؛ ولهذا لا تصلح حيث يقصد التجوز فيها وحدها ، فلا يقال : " هو عظيم اليمين " بمعنى " عظيم القدرة " ولا " عرفت يمينك على هذا " بمعنى " عرفت قدرتك عليه " . ومثله قول الآخر : [ الأعور الشني ]
هوّن عليكم ؛ فإن الأمور * بكفّ الإله مقاديرها " 3 "
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في كتاب الصناعتين ص 346 . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو للشماخ في ديوانه ص 336 ، ولسان العرب ( عرب ) ، ( يمن ) ، وتهذيب اللغة 8 / 221 ، 15 / 523 ، وجمهرة اللغة ص 319 ، 994 ، وتاج العروس ( عرب ) ، ومقاييس اللغة 6 / 158 . ( 3 ) البيت من المتقارب ، وهو للأعور الشني في الدرر 4 / 139 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 338 ، وشرح شواهد المغني 1 / 427 ، 2 / 874 ، والكتاب 1 / 64 ، ولبشر بن أبي خازم في العقد الفريد 3 / 207 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 7 / 62 ، وأمالي ابن الحاجب 2 / -
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 232 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني