تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
إثباتها مشرّفة ، كما جعل للشّمال يدا ، ليكون أبلغ في تصييرها متصرّفة ، فوفّى المبالغة حقّها من الطرفين ؛ فالضمير في " أصبحت " و " زمامها " للقرّة ، وهو قول الزمخشري . والشيخ عبد القاهر جعله للغداة ، والأول أظهر . واعلم أن الأمر المختص بالمشبه به المثبت للمشبه ، منه ما لا يكمل وجه الشبه في المشبه به بدونه ، كما في قول أبي ذؤيب الهذلي : [ خويلد بن خالد ]
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع " 1 "
فإنه شبه المنية بالسبع ، في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار ، ولا رقّة لمرحوم ، ولا بقيا على ذي فضيلة ؛ فأثبت للمنية الأظفار التي لا يكمل ذلك في السبع بدونها ؛ تحقيقا للمبالغة في التشبيه . ومنه ما به يكون قوام وجه الشبه في المشبه به ، كما في قول الآخر :
ولئن نطقت بشكر برّك مفصحا * فلسان حالي بالشّكاية أنطق " 2 "
فإنه شبه الحال الدالة على المقصود بالإنسان متكلّم في الدلالة ؛ فأثبت لها اللسان الذي به قوام الدلالة في الإنسان . وأما قول زهير :
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعرّي أفراس الصّبا ورواحله " 3 "
فيحتمل أن يكون استعارة تخييلية ، وأن يكون استعارة تحقيقية . أما التخييل فأن يكون أراد أن يبيّن أنه ترك ما كان يرتكبه أوان المحبة من الجهل والغيّ وأعرض عن معاودته ، فتعطّلت آلاته كأيّ أمر وطّنت النفس على تركه ، فإنه تهمل آلاته فتتعطّل ؛ فشبه الصبا بجهة من جهات المسير - كالحج والتجارة - قضي منها الوطر ، فأهملت آلاتها ، فتعطلت ؛ فأثبت له الأفراس والرواحل ؛ فالصبا على هذا من الصّبوة بمعنى الميل إلى الجهل والفتوّة لا بمعنى الفتاء .
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 8 ، وتهذيب اللغة 11 / 380 ، وسمط اللآلي ص 888 ، وأمالي القالي 2 / 255 ، وكتاب الصناعتين ص 284 ، وللهذلي في لسان العرب ( تمم ) ، وبلا نسبة في تاج العروس ( نشب ) ، ( تمم ) ، والعقد الفريد 5 / 24 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لمحمد بن عبد اللّه العتبي أو لأبي النضر بن عبد الجبار في يتيمة الدهر للثعالبي 4 / 404 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 124 ، ولسان العرب ( أجل ) ، ( رحل ) ، وبلا نسبة في كتاب العين 3 / 268 ، وتاج العروس ( صحا ) .