تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
العود المسقيّ أوان غرسه مونقا بأوراقه ونضرته ، لسقيه المصادف وقته ، من تمام الميل وكمال الاستحسان ، بعد خلاف ذلك . ومنها قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
( 17 ) [ البقرة : الآية 17 ] فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية ؛ في أمر حقيقي منتزع من متعدد ، وهو الطمع في حصول مطلوب ؛ لمباشرة أسبابه القريبة ، مع تعقّب الحرمان والخيبة ؛ لانقلاب الأسباب . وغير التمثيل : ما كان بخلاف ذلك ، كما سبق في الأمثلة المذكورة . والمجمل : ما لم يذكر وجهه . فمنه ما هو ظاهر يفهمه كلّ أحد ، حتى العامّة ، كقولنا : " زيد أسد " إذ لا يخفى على أحد أن المراد به التشبيه في الشجاعة دون غيرها . ومنه ما هو خفيّ لا يدركه إلا من له ذهن يرتفع به عن طبقة العامة ، كقول من وصف بني المهلب للحجاج ، لما سأله عنهم : وأن أيّهم أنجد ؟ " كانوا كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفاها " أي : لتناسب أصولهم وفروعهم في الشرف يمتنع تعيين بعضهم فاضلا وبعضهم أفضل منه ، كما أن الحلقة المفرغة لتناسب أجزائها يمتنع تعيين بعضها طرفا وبعضها وسطا . وهكذا نسبه الشيخ عبد القاهر إلى من وصف بني المهلب ، ونسبه الشيخ جار اللّه " 1 " العلّامة إلى الأنمارية ، قيل : هي فاطمة بنت الخرشب ، سئلت عن بنيها : أيّهم أفضل ؟ فقالت : عمارة . لا ، بل فلان ، لا ، بل فلان ، ثم قالت : ثكلتهم إن كنت أعلم أيّهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة ، لا يدرى أين طرفاها . وأيضا منه ما لم يذكر فيه وصف المشبّه ، ولا وصف المشبّه به ، كالمثال الأول . ومنه ما ذكر فيه وصف المشبّه به وحده ، كالمثال الثاني ، ونحوه قول زياد الأعجم :
وإنّا وما تلقي لنا إن هجوتنا * لكالبحر ، مهما تلق في البحر يغرق " 2 "
وكذا قول النابغة الذبياني :
هامش
( 1 ) الشيخ جار اللّه : هو الزمخشري ، تقدمت ترجمته . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو في الإشارات والتنبيهات ص 174 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 191 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني