تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
كأنه هداية محضة ، وهذا معنى قوله :
ذلِكَ الْكِتابُ
[ البقرة : الآية 2 ] لأن معناه كما مرّ : الكتاب الكامل ، والمراد بكماله كماله في الهداية ؛ لأن الكتب السماويّة بحسبها تتفاوت في درجات الكمال وكذا قوله تعالى :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 6 ) [ البقرة : الآية 6 ] ، فإن معنى قوله :
لا يُؤْمِنُونَ
[ النّساء : الآية 65 ] معنى ما قبله ، وكذا ما بعده تأكيد ثان ؛ لأن عدم التفاوت بين الإنذار وعدمه ؛ لا يصح إلا في حقّ من ليس له قلب يخلص إليه حقّ ، وسمع تدرك به حجة ، وبصر تثبت به عبرة ، ويجوز أن يكون
لا يُؤْمِنُونَ
[ النّساء : الآية 65 ] خبرا لأن ، فالجملة قبلها اعتراض . الثاني : أن تكون الثانية بدلا من الأولى ، والمقتضي للإبدال كون الأولى غير وافية بتمام المراد بخلاف الثانية ، والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لنكتة ، ككونه مطلوبا في نفسه ، أو فظيعا ، أو عجيبا ، أو لطيفا ، وهو ضربان : أحدهما : أن تنزّل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض من متبوعه ، كقوله تعالى :
أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ( 132 ) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
( 134 ) [ الشّعراء : الآيات 132 - 134 ] فإنه مسوق للتنبيه على نعم اللّه تعالى عند المخاطبين ، وقوله :
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
( 134 ) أوفى بتأديته مما قبله ؛ لدلالته عليها بالتفصيل ، من غير إحالة على علمهم مع كونهم معاندين ، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون ، ويحتمل الاستئناف . وثانيهما : أن تنزّل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال ، من متبوعه ، كقوله تعالى :
اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ
( 21 ) [ يس : الآيتان 20 ، 21 ] فإن المراد به حمل المخاطبين على اتّباع قوله تعالى :
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ
( 21 ) [ يس : الآية 21 ] أوفى بتأدية ذلك ؟ لأن معناه : لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ، وتربحون صحّة دينكم ، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة . وقول الشاعر :
أقول له : ارحل ، لا تقيمنّ عندنا * وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما " 1 "
فإن المراد به كمال الكراهة لإقامته بسبب خلاف سرّه العلن ، وقوله : " لا تقيمنّ " عندنا أوفى بتأديته ؛ لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد ، بخلاف " ارحل " ووزان الثانية - من كل واحد من الآية والبيت وزان " حسنها " في قولك : أعجبتني الدار حسنها ؛ لأن
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في خزانة الأدب 5 / 207 ، 8 / 463 ، وشرح الأشموني 2 / 440 ، وشرح التصريح 2 / 162 ، وشرح شواهد المغني 2 / 839 ، ومجالس ثعلب ص 96 ، ومعاهد التنصيص 1 / 278 ، ومغني اللبيب 2 / 426 ، والمقاصد النحوية 4 / 200 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 122 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني