تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل من الوصل ، وما قصرها عليه لأن الأمر كذلك ، وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه ، وأن أحدا لا يكمل فيه إلا كمل في سائر فنونها ؛ فوجب الاعتناء بتحقيقه على أبلغ وجه في البيان ، فنقول واللّه المستعان : إذا أتت جملة بعد جملة ؛ فالأولى منهما ؛ إما أن يكون لها محلّ من الإعراب أو لا . وعلى الأول إن قصد التشريك بينهما وبين الثانية في حكم الاعراب عطفت عليها ، وهذا كعطف المفرد على المفرد ؛ لأن الجملة لا يكون لها محلّ من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد ، فكما يشترط في كون العطف بالواو ونحوه مقبولا في المفرد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة ، كما في قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
[ سبأ : الآية 2 ] ؛ يشترط في كون العطف بالواو ونحوه مقبولا في الجملة ذلك ، كقولك : زيد يكتب ويشعر ، أو يعطي ويمنع ، وعليه قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ البقرة : الآية 245 ] ولهذا عيب على أبي تمام قوله :
لا والّذي هو عالم أنّ النّوى * صبر ، وأنّ أبا الحسين كريم " 1 "
إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النّوى ، ولا تعلّق لأحدهما بالآخر . وإن لم يقصد ذلك ترك عطفها عليها ، كقوله تعالى :
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 15 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : الآيتان : 14 ، 15 ] . ولم يعطف
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
على
إِنَّا مَعَكُمْ
لأنه لو عطف عليه لكان من مقول المنافقين ، وليس منه ، وكذا قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
( 12 ) [ البقرة : الآيتان 11 ، 12 ] وكذا قوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
( 13 ) [ البقرة : الآية 13 ] . وعلى الثاني إن قصد بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض حروف العطف سوى الواو ؛ عطفت عليها بذلك الحرف ، فتقول : " دخل زيد فخرج عمرو " إذا أردت أن تخبر أنّ خروج عمرو كان بعد دخول زيد من غير مهلة ، وتقول : " خرجت ثمّ خرج زيد " إذا أردت أن تخبر أن خروج زيد كان بعد خروجك بمهلة ، وتقول : " يعطيك زيد دينارا ،
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان أبي تمام 3 / 290 ، ودلائل الإعجاز ص 173 ، ومعاهد التنصيص 1 / 91 ، ونهاية الإيجاز ص 323 ، وعقود الجمان ص 173 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 119 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني