تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
المعنى : أفأنت تقدر على إكراههم على الإيمان ؟ أو أفأنت تقدر على هدايتهم على سبيل القسر والإلجاء ؟ أي : إنما يقدر على ذلك اللّه ، لا أنت . وحمل السكاكي تقديم الاسم في هذه الآيات الثلاث على البناء على الابتداء دون تقدير التقديم والتأخير ، كما مرّ في نحو : أنا ضربت ، فلا يفيد إلا تقوّي الإنكار . ومن مجيء الهمزة للإنكار نحو قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزّمر : الآية 36 ] ، وقول جرير :
ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح " 1 "
أي : اللّه كاف عبده ، وأنتم خير من ركب المطايا ؛ لأن نفي النفي إثبات ، وهذا مراد من قال : إن الهمزة فيه للتقرير ، أي للتقرير بما دخله النفي ، لا للتقرير بالانتفاء . وإنكار الفعل مختص بصورة أخرى ، وهي نحو قولك : أزيدا ضربت أم عمرا ؟ لمن يدّعي أنه ضرب إمّا زيدا وإمّا عمرا ، دون غيرهما ؛ لأنه إذا لم يتعلّق الفعل بأحدهما ، والتقدير أنه لم يتعلق بغيرهما ؛ فقد انتفى من أصله لا محالة . وعليه قوله تعالى :
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ
[ الأنعام : الآية 143 ] ؟ أخرج اللفظ مخرجه إذ كان قد ثبت تحريم في أحد الأشياء ، ثم أريد معرفة عين المحرّم ، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله . وكذا قوله :
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
[ يونس : الآية 59 ] ؟ إذ معلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من اللّه تعالى إذن فيما قالوه ، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير اللّه ، فأضافوه إلى اللّه ، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك ؛ ليكون أشدّ لنفي ذلك وإبطاله ، فإنه إذا نفي الفعل عما جعل فاعلا له في الكلام ولا فاعل له غيره ، لزم نفيه من أصله . قال السكاكي رحمه اللّه : وإياك أن يزول عن خاطرك التفصيل الذي سبق في نحو : أنا ضربت ، وأنت ضربت ، وهو ضرب ؛ من احتمال الابتداء ، واحتمال التقديم ، وتفاوت المعنى في الوجهين ؛ فلا تحمل نحو قوله تعالى :
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
[ يونس : الآية 59 ] ؟ على التقديم ؛ فليس المراد أن الإذن ينكر من اللّه دون غيره ، ولكن احمله على الابتداء ، مرادا منه تقوية حكم الإنكار .
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لجرير في ديوانه ص 85 ، 89 ، والجنى الداني ص 32 ، وشرح شواهد المغني 1 / 42 ، ولسان العرب ( نقص ) ، ومغني اللبيب 1 / 17 ، وبلا نسبة في الخصائص 2 / 463 ، 3 / 269 ، ورصف المباني ص 46 ، وشرح المفصل 8 / 123 ، والمقتضب 3 / 292 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 114 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني