« فالجواب أنه إنما أنكر ذلك ؛ لأنه في ما لامه حرف حلقىّ ، والعرب لم تبن هذا المثال مما لامه حرف حلق ، خصوصا وحرف الحلق فيه متكرر ، وذلك مستنكر عندهم مستثقل » 199 .
إذن فليس شرطا أن يكون للكلمات المقيسة معنى ؛ حيث إن هذه الأبنية الجديدة يقصد بها التمرين والتدريب ، وليس لها معنى في أصل وضع اللغة . وهذا مما يدلّ على عظمة اللغة العربية وثرائها ومرونتها واتساعها .
ويعلّق ابن جنى قائلا : « فثبت إذن أن كل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم ، ولهذا قال من قال في العجاج ورؤبة : إنهما قاسا اللغة وتصرّفا فيها ، وأقدما على ما لم يأت به من قبلهما » 200 .
يقول السيوطي فيما ينقله عن ابن جنى : « وذكر أبو بكر أن منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع الرجل اللفظة فيشك فيها ، فإذا رأى الاشتقاق قابلا لها أنس بها ، وزال استيحاشه منها ، وهذا تثبيت اللغة بالقياس » 201 .
ويذكر في موضع آخر : « من قوة القياس عندهم اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم ، نحو قولك في بناء مثل « جعفر » من « ضرب » : « ضربب » وهذا من كلام العرب ، ولو بنيت منه : « ضورب » أو « ضيرب » لم يكن من كلام العرب ، لأنه قياس على الأقل استعمالا والأضعف قياسا » 202 .
* موقفه من خلال الاطلاع على كتبه التطبيقية :
ومن خلال الاطلاع على كتب السيوطي التطبيقية يتضح لنا ما يلي :
( 1 ) القياس على الكثير :
كان السيوطي يقيس على الكثير المطرد الغالب ، وهذا واضح من خلال تناوله للمسائل ، ويبدو ذلك في نماذج عديدة نذكر منها :
* قوله : « ( و ) حذف حرف الجر ( في « أنّ : وأن ) المصدريتين ( يطّرد ) ويقاس عليه ، ( مع أمن لبس : كعجبت أن يدوا ) ، أن يعطوا الدية ، أو : عجبت أنك قائم ، أي : من أن يدوا ، ومن أنك قائم » 203 .
فهو - هنا - يرى أن حذف حرف الجر قبل « أنّ » و « أن » المصدريتين مطرد ، ويقاس عليه بشرط أمن اللبس .