وجاء الأصمعي ( ت 216 ه ) فتزحزح حدّ الاحتجاج بقدر تأخّره عن أبي عمرو بن العلاء 756 ، وتعدّدت آراؤه فيمن يعدّ خاتمة الشعراء ، فتارة يذكر الطرماح ، وثانية يقول : انه ابن هرمة ، وثالثه يقول : إنه بشار 757 ، ويتردد في الحكم على بشار فيقول : « لولا أن أيامه تأخرت لقدّمته على كثير من الشعراء السابقين » 758 .
وهكذا تحدّدت نهاية عصر الطبقة الثالثة ، وبداية عصر الطبقة الرابعة ، وعدّ بشار أول الشعراء المحدثين 759 .
يقول البغدادي : « فالطبقتان الأوليان ، يستشهد بشعرهما إجماعا . وأما الثالثة ؛ فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها ، وقد كان أبو عمرو بن العلاء وعبد اللّه بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد اللّه بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم وكانوا يعدونهم من المولدين ؛ لأنهم في عصرهم ، والمعاصرة حجاب . وأما الرابعة ؛ فالصحيح ألا يستشهد بكلامهم مطلقا ، فإنه استشهد بشعر أبى تمام في عدة مواضع من هذا الشرح . . » 760 .
موقف النحاة من المولدين :
وقف النحاة موقفا معاديا للشعراء المحدثين ، وتعصّبوا ضدّهم ، وقللوا من قيمة شعرهم ، وتحاملوا عليهم ؛ وما ذلك إلا لأنهم محدثون جاءوا بعد الفترة التي حدّدوها وجعلوها مناط القبول والاحتجاج ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها :
- سئل أبو عمرو بن العلاء عن المولدين فقال : « ما كان من حسن فقد سبقوا إليه ، وما كان من قبيح فهو من عندهم » 761 .
- وروى عن ابن الأعرابي قوله : « إنما أشعار هؤلاء المحدثين - مثل أبى نواس وغيره - مثل الريحان يشمّ يوما ويذوى فيرمى به ، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر ، كلما حرّكته ازداد طيبا 762 » .
- ويذكر أن رجلا أنشد ابن الأعرابي شعرا لأبى نواس أحسن فيه فقال له الرجل : « أما هذا من أحسن الشعر ؟ قال : قال : بلى ، ولكن القديم أحبّ إلىّ 763 » .
وقد وضعوا لذلك عددا من القيود والضوابط تمنع من تسرّب أشعار هؤلاء المولدين إلى النحاة ؛ حيث : « لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله وكأنّ علّة ذلك خوف أن يكون